أسرار وجماليات المجاز المرسل في اللغة العربية

إحصائيات المقال
تَكْشِفُ أسرار وجماليات المجاز المرسل في اللغة العربية عن قمة المرونة الدلالية والبراعة البيانية في علم البيان؛ حيث يقوم هذا الفن على استعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي؛ ويستمد المجاز المرسل تسميته من كونه مُرسلاً (أي مُطلقاً وغير مقيد بعلاقة واحدة كالمشابهة في الاستعارة)؛ وتتجلى عبقريته البلاغية في الإيجاز، والتوكيد، والمبالغة المقبولة، وإثارة الذهن عبر الانتقال الذكي بين الكل والجزء، والسبب والمسبَّب، والمحل والحال، واعتبار ما كان أو ما سيكون، مما يمنح التعبير القرآني والأدبي قوة إيحائية وعمقاً تصويرياً استثنائياً.
📑 محتويات المقال
[ إخفاء محتوى المقال ]- 1. أسرار وجماليات المجاز المرسل في اللغة العربية
- 2. روعة المجاز المرسل وأسراره في التعبير العربي
- 3. تعريف المجاز المرسل وقواعده الأساسية
- 4. علاقات المجاز المرسل ودلالاتها البلاغية
- 5. الفروق بين المجاز المرسل والأساليب البيانية القريبة منه
- 6. جماليات المجاز المرسل وأثره الفني في النص
- 7. المجاز المرسل في القرآن الكريم والشعر والأدب العربي
- 8. كيفية استخراج المجاز المرسل وتحليله في النصوص
- 9. تطبيقات عملية لإتقان المجاز المرسل وعلاقاته
- 10. ما هو المجاز المرسل في اللغة العربية؟
- 11. ما أشهر علاقات المجاز المرسل؟
- 12. ما الفرق بين المجاز المرسل والاستعارة؟
- 13. المصادر والمراجع
أسرار وجماليات المجاز المرسل في اللغة العربية
1. مفهوم المجاز المرسل والسر البياني لتسميته
- التعريف البلاغي: هو كلمة استُعملت في غير ما وُضعت له أصلاً لعلاقة متعددة لا تقوم على التشبيه أو التمثيل، مع وجود قرينة (لفظية أو حالية) تمنع فهم المعنى الحرفي.
- سر التسمية بـ «المرسل»: سُمي مرسلاً لإطلاقه وعدم انحصاره في قيد المشابهة؛ فالاستعارة مجاز مقيد بعلاقة واحدة هي المشابهة، بينما المجاز المرسل طليق يتنقل بين علاقات عقلية ومنطقية متعددة.
- الأثر الجمالي العام: يهدف إلى تحريك العقل والوجدان عبر إيجاد رابطة ذهنية سريعة بين المعنى المذكور والمعنى المقصود دون الدخول في تفاصيل التشبيه وأدواته.
2. أشهر علاقات المجاز المرسل وشواهدها البلاغية
- العلاقة الجزئية: ذِكر الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ حيث ذُكرت «الرقبة» والمقصود هو الإنسان بكامله، لأن الرقبة مظهر القيد والحرية.
- العلاقة الكلية: ذِكر الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾؛ فالإنسان يضع أنملة الإصبع فقط وليس الإصبع كاملاً، لكن ذِكر الكل أفاد شدة الهلع والرغبة في سد الصوت تماماً.
- العلاقة السببية: ذِكر السبب وإرادة المُسَبَّب، مثل: «رَعَتِ المَاشِيَةُ الغَيْثَ»؛ فالمطر (الغيث) سبب مباشر في إنبات العشب، والمقصود هو النبات.
- العلاقة المسبَّبية: ذِكر النتيجة والمُسَبَّب وإرادة السبب، كقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾؛ فالذي ينزل من السماء هو المطر الذي ينشأ عنه الرزق.
- العلاقة المحلية (المكانية): ذِكر المكان وإرادة من بداخله، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾؛ والمقصود سؤال أهل القرية وسكانها، لا جدرانها وأبنيتها.
- العلاقة الحالية: ذِكر الحالّ (المقيم أو الصفة) وإرادة المحل، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾؛ والمقصود الجنة التي تحل فيها الرحمة.
- علاقة اعتبار ما كان: تسمية الشيء بما كان عليه في الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾؛ فالمال يُدفع لهم بعد البلوغ وزوال وصف اليتم عنهم حقيقة.
- علاقة اعتبار ما سيكون: تسمية الشيء بما سيتحول إليه مستقبلاً، كقوله تعالى على لسان أحد السجينين: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾؛ والمعصور هو العنب الذي يؤول بعد تخميره إلى خمر.
3. الأسرار البلاغية والجمالية للمجاز المرسل
- الإيجاز والتكثيف: اختصار عبارات وجمل طويلة في كلمة واحدة نابضة بالحركة (مثل التعبير بـ «العين» عن الجاسوس للإشارة إلى حاسة الرصد الأهم).
- التأكيد والمبالغة الدقيقة: إبراز المعنى بقوة تجعل السامع يرى النتيجة واقعة حتماً؛ كإطلاق «الشهيد» على من يخوض المعركة مضحياً بنفسه استحضاراً لمآله الشريف.
- الملاءمة النفسية والتصوير: التعبير عن المعاني بأسلوب يثير الدهشة الذهنية ويبرز الترابط العضوي بين العناصر (كالربط بين الإنسان ورقبته في أحكام العتق).
جدول مقارنة العلاقات الكبرى للمجاز المرسل
| اسم العلاقة | اللفظ المذكور في النص | المعنى الحقيقي المقصود | الشاهد البلاغي النموذجي |
| الجزئية | الجزء | الكل | ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (القيام جزء من الصلاة) |
| الكلية | الكل | الجزء | ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (الأصابع بدلاً من الأنامل) |
| السببية | السبب (المُؤثر) | المُسَبَّب (النتيجة) | «لهُ عَلَيَّ يَدٌ لَا أُنْكِرُهَا» (اليد سبب الإنعام) |
| المسبَّبية | المُسَبَّب (النتيجة) | السبب الأصلي | ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ |
| المحلية | المكان أو الوعاء | المقيمون أو الساكنون | ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ (المقصود أهل المجلس) |
| الحالية | الصفة أو الحالّ | المكان المستقر فيه | ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (النعيم حالّ في الجنة) |
لتحديد علاقة المجاز المرسل بدقة لا تخطئ، انظر دائماً إلى اللفظ المذكور في العبارة لا المحذوف؛ فإذا كان المذكور هو الجزء كانت العلاقة جزئية، وإذا كان المذكور هو المكان كانت العلاقة محلية، وإذا كان المذكور هو المآل المستقبلي كانت العلاقة اعتبار ما سيكون؛ فالاسم البلاغي للعلاقة يُشتق دائماً من الكلمة المنطوقة في النص. ويقودنا هذا التأصيل البلاغي الشامل لعلاقات البيان العربي للغوص في تفاصيل أسرار البلاغة المعنوية والتفريق بين المجازين اللغوي والعقلي بهذا المقال، مع كشف لمحة عن كيفية قراءة الشواهد القرآنية بنظرة استكشافية، وتفكيك أفضل الممارسات لتحليل النصوص الأدبية والقصائد التراثية بدقة بيانية تامة.
روعة المجاز المرسل وأسراره في التعبير العربي
يمنح المجاز المرسل التعبير العربي قدرة واسعة على تجاوز الدلالة المباشرة للكلمات إلى دلالات أعمق تنشأ من العلاقات القائمة بين المعاني. فهو استعمال للفظ في غير معناه الأصلي، مع وجود علاقة لا تقوم على المشابهة، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. وهذه الطبيعة تميزه من الاستعارة التي تقوم أساسًا على التشابه بين طرفين. وتظهر روعته حين تصبح الكلمة الواحدة نافذة على معنى أوسع مما تدل عليه في أصل الوضع، فيفهم المتلقي المقصود من خلال السياق والعلاقة الذهنية التي تصل بين المعنى المذكور والمعنى المراد. لذلك لا يقوم هذا الأسلوب على الزينة اللفظية وحدها، بل على نشاط دلالي يجعل اللغة أكثر مرونة وكثافة.

وتتعدد أسرار المجاز المرسل بتعدد العلاقات التي تسمح بانتقال الدلالة من معنى إلى آخر، ومنها السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية واعتبار ما كان واعتبار ما سيكون. فعندما يذكر الجزء ويراد الكل، أو يذكر المحل ويراد من يحل فيه، لا يكون العدول عن الحقيقة اعتباطيًا، وإنما تحكمه صلة يدركها الذهن ويكشفها السياق. ومن الشواهد المعروفة قوله تعالى: «واسأل القرية»، فالمراد سؤال أهل القرية لا أبنيتها، وقد ذكر المكان وأريد من فيه. ويكشف هذا المثال كيف يختصر المجاز المرسل مسافة تعبيرية كاملة، من غير أن يفقد المعنى وضوحه، بل قد يزيده حضورًا وقوة في ذهن المتلقي.
وتنبع جمالية هذا الفن كذلك من قدرته على الجمع بين الإيجاز والإيحاء، فالعبارة المجازية تستطيع حمل علاقات متعددة في مساحة لغوية محدودة. وحين يقال إن شخصًا له «يد» عند آخر، فقد تتجاوز اليد معناها العضوي لتشير إلى النعمة أو الإحسان بسبب ارتباط العطاء بها. وهنا يعمل المجاز المرسل على استحضار المعنى من خلال أثره أو سببه أو جزئه أو مكانه، فينشأ التعبير أكثر حيوية من العبارة التقريرية المباشرة. ولا يحتاج القارئ إلى شرح مطول ما دام السياق قد أقام القرينة الكافية لفهم المقصود، وهو ما يجعل هذا الفن شاهدًا على قدرة العربية على ضغط المعاني الواسعة في تراكيب موجزة ومؤثرة.
مكانة المجاز المرسل في علم البيان
يحتل المجاز المرسل موقعًا مهمًا في علم البيان، لأن هذا العلم يهتم بالطرائق التي يمكن بها أداء المعنى الواحد بصور متفاوتة في الوضوح والتأثير والدلالة. ومن خلال دراسة الحقيقة والمجاز والتشبيه والاستعارة والكناية تتضح الوسائل التي تعتمدها العربية لتشكيل المعنى وتصويره. ويأتي المجاز المرسل ضمن هذا البناء بوصفه لونًا من المجاز اللغوي تنتقل فيه الكلمة عن معناها الأصلي إلى معنى آخر تربطه به علاقة غير المشابهة. ولهذا يمثل فهمه خطوة أساسية في إدراك الفروق الدقيقة بين الأساليب البيانية، ولا سيما الفرق بينه وبين الاستعارة التي يكون التشابه أساس العلاقة الدلالية فيها.
ولا تقتصر أهمية المجاز المرسل في علم البيان على معرفة تعريفه أو حفظ علاقاته، لأن قيمته الحقيقية تظهر عند تحليل النصوص والكشف عن أسباب اختيار لفظ دون غيره. فالعلاقات البلاغية فيه تفسر مسار انتقال الدلالة، وتبين كيف يصل الذهن من اللفظ المذكور إلى المقصود. فالجزئية تقوم على ذكر الجزء وإرادة الكل، والكلية على ذكر الكل وإرادة الجزء، والمحلية على ذكر المكان وإرادة من أو ما يحل فيه، بينما تربط السببية والمسببية بين السبب والنتيجة. ومن خلال هذه الروابط يصبح تحليل التعبير أكثر دقة، إذ لا يكتفي القارئ بتحديد وجود المجاز، وإنما يتعرف إلى الآلية الدلالية التي صنعت أثره.
وتزداد مكانة المجاز المرسل لأن دراسته تكشف جانبًا من الصلة الوثيقة بين البلاغة والدلالة والسياق. فاللفظ لا يتحول إلى معنى مجازي بمجرد خروجه عن أصل استعماله، بل يحتاج إلى علاقة معتبرة وقرينة تصرف الذهن عن الحقيقة. وهذه القرينة قد يستمدها المتلقي من تركيب الجملة أو من طبيعة المقام أو من استحالة حمل اللفظ على ظاهره. ومن هنا يساعد هذا الباب من علم البيان على تنمية القراءة الدقيقة للنص، لأن إدراكه يتطلب النظر في العلاقات بين الألفاظ والمعاني لا في الكلمات منفردة. وبذلك يصبح المجاز المرسل أداة لتحليل كيفية تشكل الدلالة، وليس مجرد مصطلح بلاغي يضاف إلى قائمة المصطلحات.
دور المجاز المرسل في إثراء المعنى
يؤدي المجاز المرسل دورًا واضحًا في إثراء المعنى لأنه يسمح للمتكلم بأن يعبر عن الفكرة من زاوية دلالية غير مباشرة، فيستحضر عنصرًا مرتبطًا بالمقصود بدل التصريح به. وقد يكون هذا العنصر سببًا أو نتيجة أو جزءًا أو كلًا أو مكانًا أو حالة سابقة أو مآلًا متوقعًا. هذا الانتقال يضيف إلى العبارة طبقة من المعنى لا توفرها الصياغة الحرفية بالدرجة نفسها، لأن القارئ لا يتلقى الدلالة جاهزة فحسب، وإنما يشارك في استنتاجها عبر العلاقة القائمة بين المذكور والمراد. وتلك المشاركة الذهنية تمنح التعبير كثافة أكبر، وتجعل اللفظ قادرًا على استدعاء شبكة من التصورات المتصلة بالمقصود.
ويظهر هذا الإثراء بوضوح عندما يختار التعبير جزءًا له قيمة خاصة للدلالة على الكل، فيبرز بذلك الجانب الأكثر اتصالًا بالغرض. فذكر «الرقبة» للدلالة على الإنسان، على سبيل المثال، لا يساوي من الناحية التعبيرية مجرد ذكر الإنسان بصيغة مباشرة، لأن اختيار الجزء يوجه الانتباه إلى صورة محددة داخل السياق. وينطبق الأمر نفسه على إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، إذ يؤدي ذكر المكان أحيانًا إلى استحضار الجماعة المرتبطة به وما تحمله من صفات أو أفعال. وبهذا يتيح المجاز المرسل للغة أن تختار من العلاقات الواقعية ما يخدم الدلالة، فتتسع إمكانات التعبير من غير حاجة إلى الإطالة أو الشرح المباشر.
ومن أهم آثار المجاز المرسل كذلك أنه يحقق اقتصادًا لغويًا لا يعني اختصار المعنى أو إفقاره، بل تكثيفه. فاللفظ القليل يستطيع أن يحمل معنى واسعًا إذا كانت العلاقة واضحة وكانت القرينة قوية، وهو ما يمنح الأسلوب قدرًا من الإيجاز مع بقاء الدلالة حاضرة. كما يضفي هذا الأسلوب حركة على المعنى، لأن المتلقي ينتقل ذهنيًا من السبب إلى المسبب، أو من الجزء إلى الكل، أو من المكان إلى أهله، فينشأ تفاعل بين ظاهر العبارة ومقصودها. ومن هنا يصبح المجاز المرسل وسيلة لإثراء النص بالترابط والإيحاء والدقة، مع المحافظة على وضوح الفكرة واستقامة السياق.
لماذا يعد المجاز المرسل من أسرار البلاغة العربية
يعد المجاز المرسل من أسرار البلاغة العربية لأنه يكشف قدرة اللغة على التعبير عن المعاني بطرائق تتجاوز المطابقة المباشرة بين اللفظ ومدلوله الأصلي. فاللغة البليغة لا تحتاج دائمًا إلى تسمية الأشياء بأسمائها الصريحة، بل تستطيع أن تصل إلى المقصود من خلال العلاقات المحيطة به. وحين يستخدم السبب للدلالة على النتيجة، أو الجزء للدلالة على الكل، تتحول الصلة الموجودة في الواقع أو في الذهن إلى أداة فنية لصناعة الدلالة. وهذه المرونة تجعل التعبير أكثر قدرة على استيعاب المعاني المركبة، لأن المجاز المرسل يفتح أمام المتكلم مسارات متعددة للوصول إلى الفكرة الواحدة بحسب المقام والغرض والسياق.
ويكمن سر آخر في أن هذا اللون البياني يجمع بين وضوح العلاقة ودقة الاستنتاج. فالمعنى المجازي لا يكون منفصلًا عن المعنى الحقيقي، وإنما يمتد منه عبر رابطة يمكن للعقل إدراكها. لذلك يحتاج التعبير إلى قرينة تمنع حمل اللفظ على حقيقته وتوجه الذهن نحو المقصود. وعندما تتكامل العلاقة مع القرينة يتحقق الانتقال الدلالي بصورة طبيعية، فيشعر القارئ بأن المعنى المقصود هو الأنسب للسياق رغم أن اللفظ لم يوضع له أصلًا. ومن هذه الآلية تنشأ بلاغة المجاز المرسل؛ إذ يمنح المتلقي مساحة للاستنباط من غير أن يدفعه إلى الغموض أو يقطع الصلة بين العبارة ودلالتها.
وتتجلى أسرار المجاز المرسل أيضًا في ملاءمته لأغراض متنوعة، فهو قادر على الإيجاز والتوكيد وتوسيع الدلالة وإبراز جانب معين من المعنى بحسب طبيعة العلاقة المستخدمة. وليس جماله ناتجًا عن غرابة اللفظ، وإنما عن حسن اختيار العلاقة التي تجعل العدول عن الحقيقة أبلغ من التصريح المباشر. ولهذا ظل من الأدوات المهمة لفهم الأساليب العربية الرفيعة وتحليل ما فيها من طاقات دلالية، إذ يكشف أن البلاغة ليست زخرفة تضاف إلى الكلام بعد اكتمال معناه، بل طريقة في بناء المعنى نفسه. ومن خلال المجاز المرسل تتجسد هذه الحقيقة بوضوح، حيث يصبح اختيار اللفظ جزءًا من تشكيل الفكرة وإبراز أثرها في ذهن المتلقي.
تعريف المجاز المرسل وقواعده الأساسية
المجاز المرسل من الأساليب البيانية التي تكشف قدرة العربية على توسيع الدلالة، إذ يُستعمل اللفظ في غير معناه الذي وُضع له أصلًا، مع وجود مناسبة تربط المعنى الحقيقي بالمعنى المقصود، وقرينة تمنع حمل الكلام على الحقيقة. وتنبع قيمته البلاغية من اختصار المعاني وإبراز الصلات الدقيقة بين الأشياء والمفاهيم.
ويقوم المجاز المرسل على ثلاثة أركان مترابطة: لفظ له معنى حقيقي معروف، ومعنى مجازي انتقلت إليه الدلالة، وعلاقة تصل بين المعنيين من غير أن تكون قائمة على المشابهة. وهذه النقطة الأخيرة تميزه من الاستعارة، لأن الاستعارة تعتمد على التشابه، بينما تتنوع علاقاته بحسب طبيعة الصلة بين المعنى الأصلي والمقصود.
ومن أشهر تلك العلاقات السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية واعتبار ما كان واعتبار ما سيكون. ففي قولنا «رعت الماشية الغيث» لا يراد بالغيث المطر نفسه، وإنما النبات الناتج عنه، فذُكر السبب وأريد المسبب، ولذلك تكون العلاقة سببية. وفي هذا الانتقال تتولد دلالة أوسع من العبارة المباشرة.
ولا يكفي وجود علاقة ذهنية بين معنيين للحكم بوقوع المجاز المرسل، بل لا بد من قرينة تصرف اللفظ عن الحقيقة. فلو أمكن فهم اللفظ على معناه الأصلي من غير مانع، لم يتحقق البناء المجازي على وجهه البلاغي. ولهذا تمثل العلاقة والقرينة معًا أساسًا في تحليل الصورة وتحديد المقصود منها.
وتظهر جماليات المجاز المرسل في أنه لا يكتفي باستبدال معنى بآخر، وإنما يجعل العلاقة بين الأشياء جزءًا من التعبير نفسه. فقد يُذكر الجزء لاستحضار الكل، أو السبب للدلالة على نتيجته، أو المكان للدلالة على من فيه، فتكتسب العبارة قدرًا من الإيجاز والكثافة لا توفره دائمًا الصياغة الحقيقية المباشرة.
أما تسميته بالمرسل فترتبط بعدم تقيده بعلاقة المشابهة، إذ تتعدد العلاقات التي تسمح بانتقال الدلالة فيه. ومن ثم فإن فهمه لا يقوم على حفظ مجموعة من الأمثلة فحسب، بل على إدراك طبيعة الصلة بين المعنى المذكور والمعنى المراد، وملاحظة القرينة التي تجعل الانتقال من الحقيقة إلى المجاز مقبولًا ومفهومًا.
مفهوم المجاز المرسل في البلاغة العربية
ينتمي المجاز المرسل في البلاغة العربية إلى المجاز اللغوي، وتتمثل فكرته المركزية في استعمال كلمة خارج معناها الأصلي بسبب علاقة معتبرة بين المعنى الحقيقي والمعنى الجديد، بشرط ألا تكون تلك العلاقة هي المشابهة. فإذا كانت الصلة قائمة على التشبيه والمشابهة دخل التعبير في نطاق الاستعارة، لا المجاز المرسل.
وتتضح أهميته عند النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا قادرًا على نقل المعنى عبر العلاقات بين الأشياء. فاليد، مثلًا، يمكن أن تدل على النعمة أو العطاء في سياق مناسب، لأن اليد وسيلة يرتبط بها فعل العطاء. وهنا لا توجد مشابهة بين الجارحة والنعمة، وإنما توجد صلة سببية تسمح باستعمال أحد المعنيين للدلالة على الآخر.
ويتسع المفهوم ليشمل صورًا متعددة من العلاقات الدلالية. فقد يذكر المتكلم الكل وهو يريد جزءًا منه، كما في التعبير عن أطراف الأصابع بالأصابع، أو يذكر الجزء ويريد الكل، أو يطلق اسم المكان على الموجودين فيه. ويكشف تحديد العلاقة عن المسار الذهني الذي انتقل من خلاله اللفظ إلى مدلوله المقصود.
ومن هذه الزاوية لا يُفهم المجاز المرسل باعتباره خروجًا اعتباطيًا عن الحقيقة، بل انتقالًا منضبطًا تحكمه مناسبة يستطيع المتلقي إدراكها. فالعربية لا تمنح كل لفظ حرية الدلالة على أي معنى، وإنما يصبح الاستعمال المجازي مفهومًا حين توجد رابطة دلالية معقولة وسياق يمنع الالتباس بين الحقيقة والمجاز.
ويؤدي هذا الأسلوب وظائف تتجاوز الزينة اللفظية، إذ يمنح الكلام الإيجاز، ويقوي بعض المعاني، ويوجه الانتباه إلى جانب بعينه من جوانب الشيء. فعندما يُعبَّر بالجزء عن الكل قد يكتسب ذلك الجزء أهمية خاصة في السياق، وعندما يُذكر المسبب بدل السبب يمكن أن تتقدم النتيجة في الصورة الذهنية للقارئ.
ولهذا يحتل المجاز المرسل موقعًا مهمًا في دراسة البيان العربي، لأنه يوضح أن جمال التعبير لا ينحصر في التشبيه الصريح أو الصور القائمة على المشابهة. فقد تتولد البلاغة من علاقات السببية والجزئية والمكانية والزمنية وغيرها، فيتحول اللفظ المألوف إلى أداة تحمل معنى أوسع من حدوده المعجمية المباشرة.
القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي
القرينة عنصر حاسم في المجاز المرسل، لأنها العلامة التي تمنع المتلقي من تفسير اللفظ وفق معناه الحقيقي وتوجهه إلى الدلالة المقصودة. ومن دونها قد يبقى الكلام محتملًا للحقيقة، فلا يتحدد الانتقال المجازي بوضوح. لذلك ترتبط سلامة فهم المجاز بقدرة القارئ على اكتشاف ما يصرف الذهن عن الدلالة الأصلية.
وقد تكون القرينة لفظية تظهر في كلمة أو تركيب داخل السياق. ففي العبارة «رعت الماشية الغيث» يكشف الفعل «رعت» أن المراد بالغيث ليس المطر نفسه؛ لأن الماشية لا ترعى المطر، وإنما ترعى النبات الذي ينشأ عنه. وهكذا يؤدي السياق اللفظي وظيفة مباشرة في نقل الذهن من السبب المذكور إلى المسبب المقصود.
وقد تكون القرينة عقلية، بحيث يستبعد العقل إمكان إرادة المعنى الحقيقي. فعندما يقال إن شخصًا وضع أصابعه في أذنيه، يدرك المتلقي أن إدخال الأصابع كاملة غير ممكن على الحقيقة، فيفهم أن المقصود أطرافها. وعندئذ يظهر المجاز المرسل القائم على ذكر الكل وإرادة الجزء، أي على العلاقة الكلية.
ولا تقتصر وظيفة القرينة على نفي الحقيقة، بل تسهم في ضبط الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه التأويل. فبعد استبعاد المعنى الأصلي يبحث الذهن عن المعنى الذي يناسب السياق، ثم يتبين العلاقة التي تربطه باللفظ المذكور. لذلك يعمل السياق والعلاقة والقرينة بصورة متكاملة، ولا يستقيم التحليل البلاغي بعزل أحدها عن الآخر.
وتحمي القرينة التعبير المجازي من الغموض غير المقصود؛ لأن العدول عن الدلالة الأصلية يحتاج إلى ما يرشد المتلقي إلى المراد. وكلما كانت العلاقة واضحة والقرينة ملائمة، تحقق الانتقال بسلاسة، وأصبح المجاز جزءًا طبيعيًا من بناء العبارة بدل أن يبدو استعمالًا غريبًا أو منفصلًا عن سياق الكلام.
ومن هنا تكشف دراسة القرينة عن جانب دقيق في جمال المجاز المرسل؛ فالمتكلم لا يصرح دائمًا بالمعنى الذي يريد الوصول إليه، وإنما يترك في العبارة ما يقود الذهن إليه. ويشارك المتلقي بذلك في استكمال الدلالة، فينتقل من اللفظ الظاهر إلى المقصود اعتمادًا على اللغة والعقل والسياق معًا.
كيفية انتقال الدلالة من الحقيقة إلى المجاز
يبدأ انتقال الدلالة من الحقيقة إلى المجاز حين يكون للفظ معنى أصلي مستقر، ثم يقتضي السياق استعماله للدلالة على معنى آخر تربطه بالأول علاقة واضحة. ولا يحدث هذا التحول بصورة عشوائية، بل يقوم على شبكة من الصلات التي يعرفها المتكلم والمتلقي، مثل علاقة السبب بالنتيجة، والجزء بالكل، والمكان بمن يحل فيه.
فعند قولنا «أمطرت السماء نباتًا» يظهر أن النبات ليس الشيء الذي ينزل من السماء على الحقيقة، وإنما هو نتيجة للماء الذي ينزل منها. انتقلت الدلالة هنا من المسبب المذكور، وهو النبات، إلى السبب المقصود، وهو الماء، وتسمى العلاقة مسببية. ويمنع الفعل والسياق إرادة المعنى الحرفي للعبارة.
ويجري الانتقال بطريقة مختلفة في العلاقة الجزئية. فإذا استُعملت «العيون» للدلالة على الجواسيس، فإن اللفظ ينتقل من عضو محدد إلى أشخاص كاملين؛ لأن العين جزء شديد الصلة بوظيفة المراقبة والرصد. ولا يعتمد هذا الاستعمال على تشابه الجاسوس بالعين، وإنما على ارتباط الجزء بوظيفة الكل الذي يراد التعبير عنه.
وقد ينتقل المعنى أيضًا من المحل إلى الحال فيه، أو من الحالة السابقة للشيء إلى حالته اللاحقة، أو بالعكس. ويؤكد هذا التنوع أن المجاز المرسل ليس علاقة واحدة ثابتة، وإنما طريقة دلالية مرنة تستثمر الروابط الحقيقية أو الذهنية بين المفاهيم لتكوين معنى يتجاوز الحدود المباشرة للفظ.
ويتحقق الانتقال لدى المتلقي في سلسلة ذهنية متقاربة: يستقبل اللفظ أولًا بمعناه المعروف، ثم تكشف القرينة أن هذا المعنى غير مراد، فيبحث عن دلالة تناسب السياق، قبل أن يتبين العلاقة التي تجمعها بالمعنى الأصلي. وكلما كان الترابط واضحًا، بدا المجاز طبيعيًا رغم ابتعاده عن الدلالة الحقيقية.
وتنبع إحدى أبرز جماليات المجاز المرسل من هذه الحركة الدلالية نفسها؛ فالمعنى لا يقدم بصورة تقريرية مجردة، وإنما يصل إليه القارئ عبر رابطة تجمع شيئين أو حالتين. وبذلك تستطيع العبارة أن تجمع الإيجاز والدقة والإيحاء، وأن تجعل العلاقات بين المعاني وسيلة فاعلة لصياغة الصورة البلاغية وإثراء التعبير العربي.
علاقات المجاز المرسل ودلالاتها البلاغية
يقوم المجاز المرسل على استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة لا تقوم على المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. ومن هنا تتعدد علاقاته بحسب الصلة الذهنية بين المعنى المذكور والمعنى المقصود، فتشمل السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية واعتبار ما كان وما سيكون. ولا تمثل هذه العلاقات تقسيمات نظرية مجردة، بل تكشف الطريقة التي ينتقل بها الذهن من الدلالة المباشرة إلى دلالة أوسع يفرضها السياق.

وتنبع القيمة البلاغية لهذه العلاقات من قدرتها على تكثيف المعنى وإبرازه بصورة أبلغ من التعبير المباشر. فعندما يذكر المتكلم جزءًا ويريد الكل، أو يطلق اسم السبب على النتيجة، فإنه لا يستبدل كلمة بأخرى فحسب، وإنما يختار العنصر الأكثر قدرة على توجيه الانتباه إلى المعنى المراد. ولذلك يمنح المجاز المرسل العبارة إيجازًا وقوة إيحائية، ويجعل العلاقة بين الألفاظ والمعاني جزءًا من جمال الصورة البيانية.
ويعتمد فهم العلاقة الصحيحة على تحديد المعنى الحقيقي للفظ أولًا، ثم معرفة المعنى الذي أراده السياق، وبعد ذلك النظر في الصلة التي تجمعهما. فإذا كان المذكور سببًا للمقصود كانت العلاقة سببية، وإذا كان جزءًا منه كانت جزئية، وهكذا في بقية العلاقات. ويكشف هذا التحليل أن المجاز المرسل ليس خروجًا عشوائيًا عن الحقيقة اللغوية، بل بناء دلالي منظم يستثمر الروابط المألوفة بين الأشياء لتوسيع الطاقة التعبيرية للغة العربية.
السببية والمسببية وعلاقتهما بالمعنى
تتحقق علاقة السببية عندما يذكر السبب ويكون المراد ما ينشأ عنه من نتيجة أو أثر. ومن أمثلتها قولهم: «رعت الماشية الغيث»، فالماشية لا ترعى المطر نفسه، وإنما ترعى النبات الذي كان الغيث سببًا في ظهوره. انتقلت الدلالة هنا من السبب إلى المسبب، وأصبحت العلاقة بين المطر والنبات أساسًا لفهم المعنى المجازي من غير حاجة إلى التصريح بالمقصود على نحو مباشر.
أما المسببية فتسير في الاتجاه المقابل، إذ يذكر الناتج بينما يكون المراد السبب الذي أدى إليه. ومن صورها التعبير بالرزق عن المطر، لأن المطر سبب في حصول صور من الرزق والنماء. ويقوم جمال هذا الأسلوب على استحضار النتيجة عند ذكر سببها، أو استحضار السبب من خلال أثره، فتبدو الصلة بين الطرفين أكثر حضورًا في ذهن المتلقي، ويتحول الترابط الواقعي بين الأشياء إلى أداة للتصوير والإيحاء.
والتمييز بين العلاقتين يتطلب معرفة اتجاه الدلالة، لا مجرد ملاحظة وجود رابطة سببية. ففي السببية ينتقل التعبير من السبب المذكور إلى النتيجة المرادة، بينما ينتقل في المسببية من النتيجة المذكورة إلى سببها المقصود. وتضيف هذه الحركة الدلالية إلى الكلام بعدًا يتجاوز الاختصار، لأنها قد تبرز قوة السبب أو أهمية النتيجة بحسب المقام، وتجعل اللفظ المختار محملًا بالصلة الكاملة بين الفعل وأثره.
الجزئية والكلية في بناء الصورة المجازية
تقوم الجزئية على ذكر جزء من الشيء مع إرادة الكل الذي ينتمي إليه ذلك الجزء. ومن أشهر صورها إطلاق «الرقبة» وإرادة الإنسان، لأن الرقبة جزء منه، أو إطلاق «العيون» على الأشخاص المكلفين بالمراقبة. ولا يقع اختيار الجزء اعتباطًا في التعبير البليغ؛ فقد يكون الجزء المذكور أوثق اتصالًا بالفعل أو الصفة المراد إبرازها، فيتركز انتباه المتلقي عليه ثم يمتد منه إلى الكيان الكامل.
وعلاقة الكلية تعكس هذا الاتجاه، فيذكر اللفظ الدال على الكل بينما ينصرف المقصود إلى جزء منه. ويتضح ذلك في التعبير عن إدخال الأصابع في الآذان، مع أن الذي يدخل حقيقة هو أطراف الأصابع. وإطلاق الكل في مثل هذه الصورة قد يقوي الإحساس بالفعل ويضخمه في التصور، لأن التعبير لا يكتفي بالجزء المحدود الذي وقعت عليه الحقيقة، وإنما يستحضر الكيان الأكبر المرتبط به.
ويظهر الفرق بين الجزئية والكلية من خلال اتجاه الانتقال بين الطرفين. فإذا كان الملفوظ به جزءًا والمقصود كلًا كانت العلاقة جزئية، وإذا كان الملفوظ به كلًا والمقصود جزءًا كانت كلية. وتمنح هاتان العلاقتان التعبير مرونة خاصة؛ فاللغة تستطيع إبراز الجزء الأكثر دلالة على الكل، كما تستطيع استحضار الكل لتقوية صورة الجزء، وبذلك تصبح علاقة الجزء بمجموعه وسيلة لتوجيه المعنى وتحديد مركز الصورة البلاغية.
المحلية والحالية واعتبار ما كان وما سيكون
تقوم المحلية على ذكر المكان أو الوعاء وإرادة من يحل فيه أو الشيء الموجود داخله. فعندما يقال: «قرر المجلس»، قد ينصرف المقصود إلى أعضاء المجلس لا إلى المكان ذاته، وفي التعبير «واسأل القرية» يكون المراد أهلها. وتستمد هذه العلاقة قوتها من شدة الارتباط بين المحل وما يحتويه، حتى يصبح ذكر المكان قادرًا على استحضار ساكنيه أو الموجودين فيه من خلال السياق.
أما الحالية فتعكس العلاقة السابقة، إذ يذكر الحال في المكان ويراد المحل الذي يشتمل عليه. والتمييز بينهما يقوم على اتجاه الانتقال الدلالي: فالمحلية انتقال من المحل المذكور إلى الحال فيه، والحالية انتقال من الحال المذكور إلى محله. وتكشف هاتان الصورتان قدرة اللغة على استثمار الترابط المكاني، بحيث لا يبقى المكان مجرد إطار خارجي، بل يتحول إلى عنصر دلالي يمكن أن ينوب عما يحتويه أو يُفهم من خلاله.
وترتبط علاقتا اعتبار ما كان وما سيكون بالزمن والتحول. ففي الأولى يسمى الشيء باسم حالته السابقة، كما في وصف من بلغوا باليتامى بالنظر إلى حالهم الماضية. وفي الثانية يسمى الشيء باسم الحالة التي سيؤول إليها، كما في التعبير عن العنب بالخمر باعتبار مآله. وهكذا يدخل الزمن في تشكيل الصورة المجازية، فتستطيع العبارة أن تستحضر الماضي الكامن في الشيء أو مستقبله المتوقع، وتجمع في لفظ واحد بين حالته الراهنة ومسار تحوله.
الفروق بين المجاز المرسل والأساليب البيانية القريبة منه
يحتل المجاز المرسل مكانة دقيقة في علم البيان؛ لأنه يقوم على استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. وتظهر قيمته البلاغية في قدرته على نقل المعنى بصورة موجزة وموحية، بحيث يرتبط اللفظ المذكور بمعنى آخر تربطه به صلة عقلية أو واقعية واضحة.
وتتنوع العلاقات التي يقوم عليها المجاز المرسل، فمنها السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية واعتبار ما كان واعتبار ما سيكون. وهذه العلاقات هي المفتاح الأساسي لتمييزه من الأساليب البيانية التي قد تشترك معه في الانتقال من الدلالة المباشرة إلى دلالة أعمق، لكنها تختلف عنه في طبيعة العلاقة أو في إمكان إرادة المعنى الأصلي.
وتنبع أهمية التمييز من أن التشابه الظاهري بين الصور البلاغية قد يؤدي إلى الخلط في التحليل. فليس كل استعمال غير مباشر للفظ مجازًا مرسلًا، كما أن وجود القرينة وحده لا يكفي للحكم عليه؛ إذ ينبغي تحديد طبيعة الصلة بين المعنى الأصلي والمعنى المقصود، ثم النظر في الطريقة التي انتقلت بها الدلالة من أحدهما إلى الآخر.
ويتميز المجاز المرسل بذلك عن الاستعارة التي تقوم على المشابهة، وعن الكناية التي يظل فيها المعنى الأصلي ممكنًا، كما يختلف عن المجاز العقلي الذي يقع التجوز فيه في الإسناد لا في دلالة المفردة ذاتها. ومن هنا تصبح معرفة موضع التحول الدلالي أساسًا لفهم الحدود الفاصلة بين هذه الأساليب.
ولا تقتصر هذه الفروق على التصنيف النظري، بل تكشف طرائق العربية في بناء المعنى وتكثيفه. فاختيار الجزء للدلالة على الكل، أو السبب للدلالة على المسبب، يمنح العبارة قدرة على الإيحاء والتركيز، بينما تنتج الأساليب القريبة آثارها البلاغية بآليات مختلفة تتصل بالتشبيه الضمني أو التلميح أو نقل الإسناد.
الفرق بين المجاز المرسل والاستعارة
يتفق المجاز المرسل والاستعارة في أن كليهما يقوم على استعمال اللفظ في غير معناه الذي وضع له أصلًا، مع قرينة تصرف الذهن عن إرادة الحقيقة. غير أن الحد الفاصل بينهما يتمثل في طبيعة العلاقة التي تسمح بهذا الانتقال؛ ولذلك لا يكفي اكتشاف الاستعمال المجازي، بل يلزم تحديد الصلة بين المعنيين.
في الاستعارة تكون العلاقة هي المشابهة، إذ يُنقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى آخر بسبب اشتراكهما في صفة أو هيئة يلحظها المتكلم. فعندما يوصف الرجل الشجاع بأنه أسد، يكون الانتقال قائمًا على التشابه في الشجاعة، وتتشكل الصورة من إسقاط بعض خصائص أحد الطرفين على الطرف الآخر.
أما المجاز المرسل فلا يعتمد على المشابهة، وإنما يستند إلى علاقة أخرى يمكن إدراكها بين المعنى المذكور والمعنى المراد. فقد يُذكر الجزء ويُقصد الكل، أو المحل ويُراد ما يحل فيه، أو السبب ويُقصد ما ينشأ عنه. وبذلك تتحرك الدلالة وفق رابطة واقعية أو عقلية لا وفق تشابه في الصفات.
ويتضح الاختلاف أيضًا في الأثر البلاغي. فالاستعارة تميل إلى تشكيل صورة تخييلية تجعل شيئًا يُرى في صورة شيء آخر، ولهذا تقوى فيها عناصر التصوير والتشخيص والإيحاء. أما المجاز المرسل فيحقق قدرًا كبيرًا من الإيجاز والدقة وتكثيف الدلالة، مستفيدًا من العلاقات القائمة بين الأشياء وأجزائها وأسبابها وأحوالها.
وعند تحليل تعبير محتمل الوجهين، يصبح السؤال عن العلاقة أكثر الوسائل دقة في الفصل بينهما. فإذا كان الانتقال الدلالي ناتجًا عن مشابهة فهو استعارة، وإذا استند إلى السببية أو الجزئية أو الكلية أو المحلية ونحوها فهو من المجاز المرسل، مع ضرورة وجود قرينة تمنع حمل الكلام على حقيقته.
الفرق بين المجاز المرسل والكناية
يبدو المجاز المرسل والكناية متقاربين لأن كليهما يسمح للعبارة بأن تتجاوز الدلالة المباشرة إلى معنى آخر، لكن الفرق الجوهري يتعلق بموقف المعنى الحقيقي من السياق. ففي المجاز توجد قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي، ولذلك ينتقل الذهن إلى المعنى المجازي المقصود ولا يصح إبقاء اللفظ على حقيقته في ذلك الاستعمال.
أما الكناية فهي تعبير يراد به معنى ملازم للمعنى المذكور، من غير وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي. ولهذا يمكن أن يظل المعنى الظاهر صحيحًا في ذاته، بينما يتوصل القارئ منه إلى صفة أو موصوف أو نسبة مقصودة بطريق اللزوم، وهو ما يمنح الكناية طبيعتها القائمة على التلميح.
ويكشف هذا الفارق أن المجاز المرسل يعتمد على نقل دلالة اللفظ بعلاقة غير المشابهة، بينما تعتمد الكناية على الانتقال من معنى إلى لازمه دون إلغاء إمكان الحقيقة. فإذا قيل تعبير كنائي يدل ظاهره على معنى معين ويشير في الوقت نفسه إلى صفة ملازمة، فإن الدلالة الأصلية لا تكون مستحيلة بسبب السياق.
ويختلف الأثر البلاغي تبعًا لذلك. فالكناية تتيح التعبير عن المعنى بطريقة غير مباشرة، وقد تمنحه قوة في الإثبات أو لطفًا في الأداء أو قدرة أكبر على الإيحاء. أما المجاز المرسل فيكثف العلاقة بين الأشياء، ويجعل أحد العناصر دالًا على عنصر مرتبط به، كدلالة الجزء على الكل أو المحل على الحال فيه.
وعليه، فإن القرينة المانعة تمثل معيارًا مهمًا عند الفصل بين الأسلوبين. فإذا امتنع إرادة المعنى الحقيقي، وكانت العلاقة بين المعنيين غير قائمة على المشابهة، اتجه التحليل إلى المجاز المرسل. أما إذا أمكن إرادة المعنى الأصلي مع دلالته على معنى ملازم مقصود، فإن البناء أقرب إلى الكناية.
الفرق بين الحقيقة والمجاز والمجاز العقلي
الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له بحسب الاصطلاح الذي ينتمي إليه، بحيث يصل المعنى إلى الذهن دون حاجة إلى نقل دلالي. فإذا استعملت كلمة في معناها المعروف الذي يدل عليه السياق مباشرة، كان الاستعمال حقيقيًا، وتظل العلاقة بين اللفظ ومدلوله ضمن المجال الأصلي للدلالة.
أما المجاز فينشأ عندما يُستعمل اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة معتبرة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. ويندرج المجاز المرسل ضمن هذا المجال عندما تكون العلاقة غير المشابهة، فيتحول المعنى اعتمادًا على روابط مثل الجزئية والكلية والسببية والمسببية والمحلية والحالية وغيرها.
والفارق بين الحقيقة والمجاز يرتبط إذن بحدوث النقل من المعنى الأصلي أو عدم حدوثه. ففي الحقيقة تبقى الدلالة في موضعها الأول، بينما ينتقل اللفظ في المجاز إلى معنى آخر تسمح به علاقة مفهومة. ولا يكون هذا الانتقال اعتباطيًا، لأن القرينة والعلاقة معًا تضبطان تفسير العبارة وتمنعان الالتباس.
أما المجاز العقلي فيختلف من حيث موضع التجوز؛ إذ لا يقع أساسًا في معنى الكلمة المفردة، بل في إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير من هو له في الأصل، لوجود علاقة وقرينة. فالنظر هنا يتجه إلى تركيب الجملة وإلى الطرف الذي أُسند إليه الحدث، لا إلى نقل مدلول لفظ منفرد.
وبذلك يمكن ضبط الحدود بين الأنواع من خلال موضع التحول. فالحقيقة لا تتضمن نقلًا مجازيًا، والمجاز اللغوي يقوم على انتقال دلالة اللفظ، ومنه المجاز المرسل عندما تكون العلاقة غير المشابهة، في حين يقوم المجاز العقلي على تحول في الإسناد. وهذا التمييز يجعل تحليل الصورة البلاغية أكثر دقة، ويكشف اختلاف الآليات التي تصنع بها العربية اتساع المعنى وثراء التعبير.
جماليات المجاز المرسل وأثره الفني في النص
تنبع جماليات المجاز المرسل من قدرته على نقل المعنى من الدلالة المباشرة إلى دلالة أوسع ترتبط بها بعلاقة واضحة غير المشابهة. فالمتكلم لا يذكر المقصود بصورته الصريحة دائمًا، بل يستدعي لفظًا يتصل به بسبب أو جزء أو كل أو محل أو حال، فينشأ التعبير أكثر كثافة وإيحاء من العبارة المباشرة.
ويمنح المجاز المرسل اللغة طاقة تصويرية خاصة؛ لأن اللفظ المستخدم يفتح أمام القارئ مجالًا لاستحضار العلاقة التي تربطه بالمعنى المقصود. هذه المشاركة الذهنية تجعل الدلالة أكثر حيوية، وتحوّل العبارة من مجرد وسيلة لنقل المعلومة إلى بناء لغوي تتداخل فيه الدقة مع الإيحاء والجمال.
ويظهر أثره الفني كذلك في الاقتصاد اللغوي، إذ تستطيع كلمة واحدة أن تحمل شبكة من العلاقات والمعاني التي قد تحتاج في التعبير الحقيقي إلى شرح أطول. ولا يعني هذا الاقتصاد اختصار الفكرة أو إضعافها، بل تكثيفها داخل صياغة موجزة تتيح للسياق أن يؤدي دورًا أساسيًا في تحديد المراد.
ومن جمالياته أيضًا قدرته على إبراز جانب بعينه من المعنى. فعندما يُذكر الجزء ويراد الكل، قد يتجه الانتباه إلى ذلك الجزء لما يحمله من قيمة دلالية داخل الصورة. وعندما يُذكر المحل ويراد ما يحل فيه، تتسع الدلالة من المكان الظاهر إلى الأشخاص أو الأشياء المرتبطة به.
ولهذا يؤدي المجاز المرسل وظيفة تتجاوز الزخرف اللفظي، فهو أداة لبناء الدلالة وتوجيه زاوية النظر إلى المعنى. وتزداد قيمته كلما كانت العلاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي مناسبة للسياق، بحيث يدرك القارئ المقصود من غير غموض، ويشعر في الوقت نفسه بما أضافه الانتقال المجازي من قوة وإيحاء.
أما حضوره في النص الأدبي فيسهم في تنويع طرائق التعبير والابتعاد عن التقرير المباشر. فالنص الذي يوظف العلاقات المجازية بوعي يكتسب مرونة في عرض الأفكار والمشاهد والمواقف، ويصبح أكثر قدرة على الجمع بين الإيجاز والثراء الدلالي، من غير أن يفقد وضوحه أو ترابطه.
سر جمال المجاز المرسل وقيمته الفنية
يكمن سر جمال المجاز المرسل في المسافة الدلالية التي يصنعها بين اللفظ المذكور والمعنى المراد. فالقارئ لا يتلقى الدلالة جاهزة بصورة حرفية، وإنما ينتقل ذهنيًا عبر العلاقة التي تجمع الطرفين، ويستعين بالسياق والقرينة للوصول إلى المقصود. ومن هذا الانتقال تنشأ متعة الفهم واكتشاف الصلة بين المعنيين.
ولا تقوم هذه الجمالية على الغموض، بل على وضوح العلاقة مع تجنب المباشرة المفرطة. فكلما كان الانتقال من الحقيقة إلى المجاز مبررًا دلاليًا، بدا التعبير طبيعيًا ومؤثرًا. أما إذا ضعفت العلاقة أو غابت القرينة، فقد يتحول التعبير من تكثيف فني إلى التباس يعيق وصول المعنى.
وتتجلى القيمة الفنية في اختيار جانب دال من الشيء ليقوم مقامه في التعبير. فقد يعبّر الجزء عن الكل لأن هذا الجزء هو الأكثر حضورًا في الموقف، وقد يدل السبب على النتيجة لارتباطهما الوثيق، أو يذكر المكان ويراد من فيه. وبهذا الاختيار يكتسب المعنى زاوية عرض محددة لا توفرها العبارة الحقيقية بالطريقة نفسها.
ويحقق المجاز المرسل كذلك قدرًا ملحوظًا من الإيجاز، لكنه إيجاز مشحون بالدلالة. فاللفظ المجازي لا يؤدي معنى واحدًا منعزلًا، بل يستدعي خلفه علاقة وسياقًا ومجالًا من التداعي. لذلك تستطيع العبارة القصيرة أن تحمل طبقات من الفهم دون الحاجة إلى استطراد يثقل الإيقاع أو يضعف الأثر.
كما تظهر قيمته في قدرته على الجمع بين المعنى العقلي والصورة المحسوسة. فقد يتحول مفهوم واسع أو مجرد إلى عنصر يمكن تصوره من خلال جزء أو مكان أو سبب مرتبط به، فيصبح المعنى أقرب إلى الإدراك. وهذه الخاصية تمنح النص قدرة أكبر على تثبيت الفكرة في الذهن وإبرازها بصورة ذات ملامح واضحة.
ومن ثم لا ينحصر سر جمال المجاز المرسل في استبدال لفظ بآخر، وإنما في حسن إدارة العلاقة بين الألفاظ والمعاني. فالقيمة الفنية تنشأ من دقة الاختيار، وملاءمة القرينة، وانسجام التعبير مع السياق، وقدرته على منح المعنى قوة إضافية من غير تكلف أو إبهام.
الأثر البلاغي للمجاز المرسل في تقوية المعنى
يعمل المجاز المرسل على تقوية المعنى من خلال توجيه انتباه المتلقي إلى العنصر الأكثر دلالة في السياق. فبدل تقديم الفكرة كاملة بصيغة تقريرية، يختار التعبير جانبًا يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا ويجعله مدخلًا لفهمها، فتغدو الدلالة أكثر تركيزًا وأشد حضورًا في الذهن.
ويتحدد الأثر البلاغي للمجاز المرسل بحسب طبيعة العلاقة المستخدمة. فذكر الجزء وإرادة الكل يسلط الضوء على الجزء المختار، بينما يربط التعبير بالسبب بين الحدث وما أدى إليه، ويصل ذكر المحل بما يحتويه أو بمن يوجد فيه. لذلك لا تؤدي العلاقات المجازية أثرًا واحدًا، بل تتغير قوتها تبعًا للسياق والمقصود.
وتسهم القرينة في تثبيت هذا الأثر؛ لأنها تمنع إرادة المعنى الحقيقي وتوجّه الذهن نحو الدلالة المجازية. ومن دون قرينة مناسبة قد يبقى اللفظ محتملًا للحقيقة، فتضعف الوظيفة البلاغية. ولهذا يقوم نجاح التعبير على التوازن بين الانتقال عن المعنى الأصلي وبين توفير ما يكفي لفهم المقصود بوضوح.
ومن وجوه تقوية المعنى أيضًا أن المجاز يختصر سلسلة من التفاصيل داخل علامة لغوية واحدة. فعندما يدل المكان على أهله، أو الجزء على الكل، لا يحتاج المتكلم إلى شرح العلاقة في كل مرة، لأن السياق يستدعيها ضمنًا. ويؤدي هذا التكثيف إلى عبارة أكثر إحكامًا وأسرع تأثيرًا من الشرح المباشر المطول.
ويزيد المجاز المرسل المعنى رسوخًا حين يجعل الدلالة مرتبطة بصورة أو علاقة قابلة للاستحضار الذهني. فالإنسان يتفاعل غالبًا مع المعنى الذي يستطيع ربطه بعنصر محسوس أو بعلاقة مألوفة أكثر من تفاعله مع الصياغة المجردة، ولذلك يصبح التعبير المجازي وسيلة فعالة للجمع بين الوضوح وقوة التأثير.
ولا تعني قوة المجاز أن استعماله أفضل من الحقيقة في جميع المواضع؛ فبلاغته مرتبطة بحاجته داخل السياق. عندما يضيف تركيزًا أو إيجازًا أو تصويرًا يصبح ذا قيمة حقيقية، أما إذا استعمل دون وظيفة دلالية فقد يفقد أثره. ومن هنا تنبع قوته من ملاءمة العلاقة للمقام قبل أي اعتبار زخرفي.
أغراض المجاز المرسل ووظيفته في التعبير
تتنوع أغراض المجاز المرسل تبعًا لطبيعة السياق والعلاقة بين الدلالة الأصلية والدلالة المقصودة. فقد يأتي لتحقيق الإيجاز، أو لتقوية المعنى، أو لإبراز جزء معين من الصورة، أو لنقل مفهوم واسع بواسطة علامة لغوية محددة. ولذلك ترتبط وظيفته بحاجة التعبير، لا بمجرد الرغبة في تزيين الأسلوب.
ويأتي الإيجاز في مقدمة هذه الأغراض، إذ يسمح التعبير المجازي بأداء معان متعددة في تركيب محدود. فالعلاقة المفهومة بين الجزء والكل، أو السبب والمسبب، أو المحل والحال، تغني عن تفصيل قد يكون زائدًا على حاجة السياق، بينما يبقى المعنى متماسكًا وقابلًا للفهم من خلال القرينة.
ومن أغراض المجاز المرسل تخصيص الانتباه بعنصر ذي أهمية خاصة. فاختيار جزء للدلالة على الكل لا يكون عديم القيمة، لأن الجزء المذكور قد يمثل موضع الفعل أو أبرز سمات الموقف. وهكذا يوجّه التعبير نظر القارئ إلى ما يراد تأكيده بدل توزيع الانتباه بالتساوي على جميع عناصر المعنى.
ويؤدي أيضًا وظيفة تصويرية تجعل الأفكار أكثر قابلية للتصور. فحين ترتبط الدلالة المجردة بعنصر محسوس أو مكان أو سبب، تنتقل من نطاق التجريد الخالص إلى صورة أكثر حضورًا. ولا يلزم أن تكون هذه الصورة تشبيهية، لأن أساس المجاز هنا علاقة غير المشابهة، وهو ما يميزه عن أنماط بلاغية أخرى.
ومن وظائفه المهمة توسيع المرونة التعبيرية للغة، إذ يتيح استخدام الألفاظ خارج حدود دلالتها الأصلية وفق علاقات مفهومة ومنضبطة. هذه المرونة تمنح الكاتب إمكانات متنوعة لاختيار الصيغة الأكثر ملاءمة للمقام، سواء كان المطلوب تكثيف الدلالة أو إبراز عنصر منها أو تحقيق أثر فني معين.
وبذلك تتكامل أغراض المجاز المرسل داخل وظيفة بلاغية شاملة تتمثل في إعادة تنظيم العلاقة بين اللفظ والمعنى بما يخدم السياق. فهو يجمع بين الإيجاز والتكثيف والتصوير والتوكيد، معتمدًا على القرينة وحسن اختيار العلاقة، ولذلك ظل من الوسائل الأساسية التي تكشف ثراء العربية وقدرتها على التعبير عن المعنى الواحد بطرائق متفاوتة الدقة والأثر.
المجاز المرسل في القرآن الكريم والشعر والأدب العربي
يحتل المجاز المرسل مكانة بارزة في البيان العربي؛ لأنه يتيح للفظ أن يتجاوز معناه الحقيقي إلى معنى آخر تربطه به علاقة غير المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي. وتظهر قيمته حين يصبح التعبير المجازي أقدر على التكثيف والتصوير والإيحاء من العبارة المباشرة، ولذلك اتسع حضوره في القرآن الكريم والشعر والنثر، وتنوعت علاقاته بين السببية والمسببية والجزئية والكلية والمحلية والحالية واعتبار ما كان واعتبار ما سيكون وغيرها.

ويكشف المجاز المرسل في القرآن الكريم عن طاقة تعبيرية تتجاوز مجرد استبدال لفظ بآخر؛ إذ قد يجمع التعبير القصير بين المعنى والصورة والدلالة النفسية في آن واحد. وفي الشعر العربي استفاد الشعراء من هذه المرونة لتكثيف التجربة وإبراز المعاني الذهنية والمحسوسة، فأصبح الجزء دالًا على الكل، والمكان دالًا على أهله، والسبب مشيرًا إلى نتيجته، بما يمنح البيت الشعري اتساعًا دلاليًا دون حاجة إلى شرح مطول يضعف أثر الصورة.
أما في الأدب العربي النثري، فيؤدي المجاز المرسل وظيفة تتصل ببناء الأسلوب وإثراء الدلالة، ولا يقتصر على كونه محسّنًا لغويًا منفصلًا عن المعنى. فقد يستخدم الكاتب لفظًا يدل على عضو من الإنسان ليقصد صاحبه كله، أو يذكر المكان ويريد من يسكنه، أو يطلق اسم النتيجة ويقصد سببها. ومن هنا يرتبط جمال المجاز المرسل بقدرة السياق على نقل الذهن من الدلالة الظاهرة إلى المقصود في حركة سريعة تجعل القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى.
أمثلة المجاز المرسل من القرآن الكريم
تتجلى دقة المجاز المرسل في التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، فالذي يمكن إدخاله في الأذن حقيقة هو أطراف الأصابع، لا الأصابع كاملة، ولذلك عُد التعبير من المجاز القائم على إطلاق الكل وإرادة الجزء، وعلاقته الكلية. وتمنح الصورة المشهد قوة محسوسة؛ لأنها لا تصف مجرد سد الآذان، وإنما تنقل شدة الخوف ومحاولة الاحتماء من صوت الصواعق بصورة مكثفة واضحة.
ويظهر المجاز المرسل كذلك في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، فالخمر لا تُعصر في ذاتها، وإنما يُعصر العنب الذي يؤول بعد ذلك إلى خمر، ولهذا تقوم العلاقة على اعتبار ما سيكون. ومن صوره أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾، حيث يدل اللسان على اللغة التي يقع بها البيان والتخاطب، فتقوم العلاقة بين العضو الذي تتحقق به عملية النطق والمعنى المقصود من التعبير.
ومن الشواهد المشهورة قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، إذ المقصود سؤال أهل القرية، فذُكر المكان وأريد من يحل فيه، وهي علاقة المحلية. وتوضح هذه الأمثلة أن المجاز المرسل في القرآن الكريم لا يقوم على الزخرفة اللفظية، بل يؤدي وظيفة دلالية تتصل بالسياق؛ فهو يختصر العبارة أحيانًا، ويقوي الصورة أحيانًا أخرى، وقد يجمع بين تصوير الحدث والإيحاء بحال أصحابه في تركيب موجز تتسع دلالته كلما دُرست العلاقة بين المعنى الحقيقي والمقصود.
شواهد المجاز المرسل في الشعر العربي
وجد الشعراء في المجاز المرسل وسيلة ملائمة لطبيعة الشعر القائمة على الإيجاز وكثافة الدلالة، فاستطاعوا أن يحملوا اللفظ معاني تتجاوز حدوده المعجمية من غير اعتماد على المشابهة التي تقوم عليها الاستعارة. ومن التعبيرات البلاغية المألوفة إطلاق «اليد» وإرادة النعمة أو الإحسان؛ لأن اليد سبب في إيصال العطاء، فتكون العلاقة سببية. وبهذا الانتقال لا تبقى الصورة مجرد إخبار عن المعروف، بل تربطه بالفعل الإنساني الذي صدر عنه وأوصل أثره إلى المتلقي.
ويظهر المجاز المرسل أيضًا عندما يذكر الشاعر جزءًا من الإنسان ويريد الإنسان كله، كإطلاق «العين» على الرقيب أو الشخص الذي يراقب، فتكون العلاقة جزئية؛ لأن العين جزء ممن يؤدي فعل المراقبة. وقد يعكس الشاعر اتجاه العلاقة فيذكر الكل ويريد جزءًا منه، أو يستخدم اسم المكان قاصدًا أهله. وتلائم هذه الصور البناء الشعري؛ لأنها تضغط المعنى في ألفاظ محدودة وتمنح السياق قدرة على الإيحاء بأكثر مما تقوله الكلمات في دلالاتها الحقيقية المباشرة.
ولا تتحدد قيمة المجاز المرسل في الشعر بمعرفة اسم العلاقة وحده، وإنما تظهر في أثرها داخل البيت وفي صلتها بالتجربة الشعرية. فحين ينتقل اللفظ من السبب إلى المسبب، أو من الجزء إلى الكل، أو من المحل إلى الحال فيه، ينشأ ترابط ذهني يستدعي من القارئ استكمال الدلالة اعتمادًا على السياق. ولهذا يستطيع المجاز المرسل أن يمنح الصورة الشعرية إيجازًا وقوة، وأن يربط المعاني المجردة بأشياء محسوسة ومألوفة، فيصبح التعبير أكثر قدرة على تثبيت الفكرة وإثارة الخيال.
صور المجاز المرسل في النصوص الأدبية
تتنوع صور المجاز المرسل في النصوص الأدبية بحسب طبيعة العلاقة التي تجمع الدلالة الأصلية بالدلالة المقصودة. فقد يذكر الأديب السبب ويريد ما نتج عنه، أو يذكر النتيجة ويريد سببها، وقد يطلق الجزء ويقصد الكل أو يعكس ذلك. كما يمكن أن يستعمل اسم المكان للدلالة على أهله، أو يذكر الحال ويقصد المحل الذي يحتويه، وهو تنوع يمنح الكاتب إمكانات واسعة لبناء المعنى من خلال علاقات عقلية وسياقية دقيقة.
وقد تظهر الصورة المجازية في عبارة تبدو بسيطة، مثل القول إن «المدينة احتفلت»، بينما المقصود سكان المدينة، فالمكان في ذاته لا يمارس فعل الاحتفال. وقد يقال إن «الأقلام دافعت عن القضية»، والمقصود الكتّاب الذين كانت الأقلام أداة تعبيرهم. في مثل هذه التراكيب يعمل المجاز المرسل على اختزال مجموعة من التفاصيل في علامة لغوية واحدة، ويمنح الأشياء والأماكن والأدوات حضورًا قويًا داخل المشهد الأدبي من غير أن تتحول العلاقة إلى تشبيه أو استعارة قائمة على المشابهة.
وتتضح جمالية المجاز المرسل حين يكون الانتقال بين المعنيين طبيعيًا وقابلًا للفهم من السياق، فلا يشعر القارئ بأن الصورة مفروضة على العبارة. فالقرينة توجه الذهن بعيدًا عن المعنى الحرفي، بينما تحدد العلاقة الطريق المؤدي إلى المقصود. وبهذه الآلية يجمع المجاز المرسل بين الاقتصاد اللغوي والثراء الدلالي، ويتيح للنص الأدبي أن يعبّر عن الإنسان والجماعة والمكان والفعل والنتيجة بوسائل متجددة، مع الاحتفاظ بوضوح المعنى وقدرته على إثارة التأمل والتذوق البلاغي.
كيفية استخراج المجاز المرسل وتحليله في النصوص
يبدأ استخراج المجاز المرسل من ملاحظة اللفظ الذي لا يستقيم حمله على معناه الأصلي داخل السياق. فالمجاز المرسل يقوم على استعمال الكلمة في غير معناها الحقيقي، مع وجود علاقة بين المعنى المذكور والمعنى المقصود لا تقوم على المشابهة، وقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. ومن ثم لا يكفي العثور على لفظ غير مألوف، بل ينبغي فهم السياق الذي منحه دلالته الجديدة.
وتتضح هذه الفكرة في قوله تعالى: «واسأل القرية»، إذ لا يقع السؤال على الأبنية والطرقات، وإنما يتوجه إلى أهل القرية. لفظ «القرية» استُعمل هنا للدلالة على أهلها، والسياق يمنع حمله على المكان نفسه. وعند هذه النقطة يظهر المجاز المرسل بوصفه انتقالًا دلاليًّا من المعنى المباشر إلى معنى آخر تربطه بالأول صلة واضحة غير المشابهة.
ويحتاج التحليل الدقيق إلى التمييز بين هذا الفن وغيره من صور البيان. فإذا كانت الصلة بين المعنى الحقيقي والمعنى المقصود قائمة على التشابه، كان التعبير أقرب إلى الاستعارة، أما إذا قامت على السببية أو الجزئية أو الكلية أو المحلية أو غيرها من علاقات الملابسة، أمكن الحكم بوجود مجاز مرسل. ولهذا يمثل تحديد طبيعة الصلة محورًا أساسيًّا في صحة التحليل.
ولا يكتمل استخراج المجاز بمجرد تسميته، لأن القيمة البلاغية تنشأ من فهم سبب العدول عن التعبير الحقيقي. فقد يحقق المجاز إيجازًا، أو يقوي المعنى، أو يستحضر صورة أكثر تأثيرًا، أو يربط بين شيئين في الذهن بعلاقة وثيقة. وهكذا يصبح تحليل المجاز المرسل قراءة للدلالة والسياق والأثر، لا مجرد تصنيف اصطلاحي للتعبير.
وتزداد دقة القراءة حين يُعاد اللفظ إلى معناه المقصود ثم تقارن الصياغتان. فإذا بقي المعنى واضحًا بعد استبدال التعبير المجازي بتعبير حقيقي مباشر، أمكن إدراك مقدار ما أضافه العدول المجازي من كثافة وإيحاء. لذلك يرتبط استخراج المجاز المرسل بفهم وظيفة اللفظ داخل الجملة بقدر ارتباطه بمعرفة العلاقات البلاغية المعروفة.
خطوات اكتشاف التعبير المجازي وتحديد القرينة
يظهر التعبير المجازي غالبًا عندما يصطدم المعنى الحرفي بقرينة لغوية أو عقلية أو سياقية تجعل إرادته غير مقبولة. ففي قوله تعالى: «إني أراني أعصر خمرًا» لا تكون الخمر نفسها شيئًا يُعصر، وإنما المعصور هو العنب الذي يؤول إلى خمر. فعل العصر هنا يؤدي دورًا حاسمًا في توجيه الذهن بعيدًا عن الدلالة الحقيقية للفظ.
وتتمثل القرينة في العنصر الذي يمنع إرادة المعنى الأصلي ويوجه إلى المعنى المقصود. وقد تكون مستفادة من لفظ داخل العبارة، كما قد يفهمها القارئ من طبيعة الأشياء أو من السياق العام. وفي مثال «جعلوا أصابعهم في آذانهم» تمنع طبيعة الفعل حمل الأصابع على كاملها، لأن الذي يدخل في الأذن إنما هو جزء منها.
ويكشف الانتقال بعد ذلك عن طرفين دلاليين: معنى مذكور في النص، ومعنى مراد يفهم من السياق. فإذا قيل «واسأل القرية»، كان المذكور هو القرية، بينما المراد أهلها. هذه المقابلة مهمة؛ لأنها تمنع الاكتفاء بقول إن العبارة مجازية، وتتيح تفسير الطريقة التي انتقلت بها الدلالة من المكان إلى الأشخاص الموجودين فيه.
ثم تُفحص الصلة بين الطرفين للتأكد من أنها ليست مشابهة. فإذا كان اللفظ قد أطلق لأن أحد المعنيين سبب للآخر، أو جزء منه، أو كلٌّ يشمله، أو محل له، أو حال فيه، أو باعتبار حال سابقة أو لاحقة، كان الانتقال من مجال المجاز المرسل. أما قيام الصلة على التشابه فينقل التحليل إلى باب الاستعارة.
ولا ينبغي فصل القرينة عن السياق عند التحليل، لأن الكلمة الواحدة قد تستعمل حقيقة في موضع ومجازًا في موضع آخر. فالحكم البلاغي لا يصدر من شكل المفردة منفردة، وإنما من تفاعلها مع بقية عناصر التركيب. ولهذا تكون القراءة الكاملة للجملة وما يحيط بها أكثر أمانًا من البحث عن كلمات يُظن مسبقًا أنها مجازية.
كيفية تحديد علاقة المجاز المرسل بدقة
تتحدد علاقة المجاز المرسل بمقارنة اللفظ المذكور بالمعنى الذي أراده السياق، ثم السؤال عن طبيعة الصلة الواقعية أو الذهنية بينهما. فإذا ذُكر السبب وأريد ما ينشأ عنه كانت العلاقة سببية، وإذا ذُكر الناتج وأريد سببه كانت مسببية. والاتجاه بين الطرفين بالغ الأهمية، لأن عكسه يؤدي إلى تسمية العلاقة تسمية غير صحيحة.
وفي الجزئية والكلية يقوم التمييز على معرفة أي الطرفين مذكور وأيهما مراد. فعندما يذكر جزء من الشيء ويراد كله تكون العلاقة جزئية، كما في إطلاق «رقبة» وإرادة الإنسان في بعض السياقات. أما عندما يذكر الكل ويراد بعضه، مثل إطلاق الأصابع مع إرادة الأنامل في سياق إدخالها في الآذان، فالعلاقة كلية.
أما المحلية والحالية فتتصلان بعلاقة المكان بما يوجد فيه. في قوله تعالى: «واسأل القرية» ذُكر المحل، وهو القرية، وأريد الحال فيه، وهم أهلها، فتكون العلاقة محلية. وفي الصورة العكسية يذكر الشيء الموجود في المكان ويقصد مكانه، فتكون العلاقة حالية. ووضوح اتجاه الانتقال يحسم الفرق بين العلاقتين المتقابلتين.
وتظهر علاقة اعتبار ما كان حين يسمى الشيء باسم حال سابقة له، كما في إطلاق وصف «اليتامى» باعتبار الحالة السابقة لمن تجاوزوا حد اليتم عند تسليم الأموال إليهم. وفي المقابل تقوم علاقة اعتبار ما سيكون على تسمية الشيء بما سيؤول إليه، كما في التعبير عن العنب بالخمر قبل تحوله إليها في شاهد العصر المعروف.
وقد تدخل الآلية ضمن العلاقات التي تفسر بعض الشواهد، وفيها تذكر الأداة ويراد ما يتحقق بها، مثل استعمال «اللسان» للدلالة على اللغة؛ فاللسان آلة التعبير عنها. وتفيد المقارنة بين هذه العلاقات في منع الحفظ الآلي، لأن الضابط الأدق هو تحديد المذكور والمراد أولًا، ثم وصف الصلة بينهما واتجاهها على أساس المعنى.
تحليل الشاهد وبيان دلالته وأثره البلاغي
تحليل الشاهد البلاغي يتجاوز العثور على الكلمة المجازية إلى بناء تفسير متكامل لدلالتها. ففي قوله تعالى: «واسأل القرية» يحدد لفظ «القرية» بوصفه موضع المجاز، ثم يبيَّن أن المراد أهل القرية، وأن السؤال لا يتوجه حقيقة إلى الأبنية. وبذلك تتضح القرينة والعلاقة المحلية في إطار واحد مترابط.
ويأتي بعد تحديد العلاقة تفسير المعنى الذي صنعه المجاز المرسل داخل السياق. فالعدول من «أهل القرية» إلى «القرية» لا يغير المرجع المقصود فحسب، بل يجعل المكان ومن يسكنه وحدة دلالية متماسكة. وهذه الكثافة في التعبير من خصائص المجاز، إذ يستطيع اللفظ المحدود أن يستدعي شبكة من العلاقات التي لا يوفرها التعبير المباشر بالدرجة نفسها.
وفي قوله تعالى: «جعلوا أصابعهم في آذانهم» يتجه التحليل إلى الكلية؛ فقد ذُكرت الأصابع وأريد الجزء الذي يمكن إدخاله في الأذن. ولا تقف القيمة عند الاختصار، إذ تمنح صيغة الكل صورة أقوى لشدة الإعراض ومحاولة سد السمع، فيبدو الفعل في التصوير أبلغ من مجرد ذكر أطراف الأصابع بصورة تقريرية مباشرة.
أما شاهد «إني أراني أعصر خمرًا» فيقوم على اعتبار ما سيكون؛ لأن المعصور عنب، لكنه سمي باسم ما سيؤول إليه. وتكشف هذه الصياغة عن قدرة المجاز المرسل على اختزال مرحلة التحول بين الشيء ومآله، فتتصل البداية بالنهاية في لفظ واحد، ويغدو المستقبل المتوقع حاضرًا في بنية التعبير.
ويكتمل تحليل الشاهد حين يجمع بين أربعة عناصر مترابطة: اللفظ المستعمل مجازًا، والمعنى المقصود، والقرينة المانعة من إرادة الحقيقة، والعلاقة التي تصل المعنيين، ثم يضاف إليها الأثر البلاغي الذي يفسر قيمة الاختيار. وبهذا المنهج يصبح التحليل كشفًا عن كيفية صناعة الدلالة، لا تمرينًا قائمًا على تسمية العلاقات وحدها.
ويمنح المجاز المرسل النص قدرة على الإيجاز والتكثيف وتقوية التصوير وإبراز الصلات الخفية بين الأشياء والمعاني. وتختلف قيمة هذه الآثار من شاهد إلى آخر؛ فقد يبرز في موضع معنى المبالغة، وفي آخر الإيجاز أو استحضار المآل أو توحيد المكان بأهله. لذلك ينبغي استنباط الأثر من الشاهد نفسه بدل إلحاق عبارة بلاغية ثابتة بكل الأمثلة.
تطبيقات عملية لإتقان المجاز المرسل وعلاقاته
يترسخ فهم المجاز المرسل حين ينتقل القارئ من حفظ تعريفه إلى تحليل العلاقة التي تربط المعنى المذكور بالمعنى المقصود. فالكلمة فيه تستعمل في غير معناها الأصلي، مع وجود قرينة تمنع إرادة ذلك المعنى، وتقوم الصلة بين المعنيين على علاقة غير المشابهة. ولهذا فإن اكتشاف العلاقة هو جوهر التحليل البلاغي، لا مجرد ملاحظة أن اللفظ خرج عن دلالته الحقيقية.

ومن أنفع التطبيقات البدء بتحديد اللفظ الذي لا يستقيم حمله على الحقيقة، ثم تعيين المقصود منه في السياق. ففي قولنا: «رعت الماشية الغيث»، لا يراد بالغيث المطر نفسه، لأن الماشية لا ترعى المطر، وإنما ترعى النبات الناشئ عنه. ذُكر السبب وأريد المسبَّب، فتكون العلاقة السببية. أما قولنا: «أمطرت السماء نباتًا»، فالمذكور هو النبات، والمقصود المطر الذي ينشأ عنه النبات، ولذلك تكون العلاقة المسبَّبية.
وتظهر أهمية الاتجاه نفسه عند التفريق بين الكلية والجزئية. ففي قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، يستحيل إدخال الأصابع كاملة، والمقصود أطرافها، ومن ثم أطلق الكل وأريد الجزء، فالعلاقة كلية. وعلى العكس، عندما تطلق «الرقبة» ويراد الإنسان كله، يكون المذكور جزءًا والمقصود كلًّا، فتكون العلاقة جزئية.
ويحتاج المجاز المرسل كذلك إلى إدراك العلاقات الزمنية. ففي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾، يراد من بلغوا وأصبحوا أهلًا لتسلُّم أموالهم، لكنهم سموا يتامى بالنظر إلى حالهم السابقة، فتكون العلاقة اعتبار ما كان. وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، المقصود العنب الذي سيؤول إلى خمر، فتكون العلاقة اعتبار ما سيكون.
أما المحلية والحالية فيفيد في ضبطهما النظر إلى المحل وما يوجد فيه. ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، لا يقع السؤال على الأبنية والطرقات، وإنما على أهل القرية، فذُكر المحل وأريد من يحل فيه، وهذه المحلية. وعندما يذكر الحال ويراد المكان الذي يحويه تنعكس العلاقة، فتكون الحالية. وبهذه الطريقة يصبح تحليل المجاز قائمًا على فهم اتجاه الدلالة بدل الاعتماد على الحفظ المجرد.
وتكتمل التطبيقات العملية بملاحظة علاقة الآلية، كما في استعمال «اللسان» للدلالة على اللغة أو الذكر؛ فاللسان آلة للكلام. وهكذا لا يقوم إتقان المجاز المرسل على تعداد العلاقات وحده، بل على ثلاثة أسئلة مترابطة: ما اللفظ المذكور؟ وما المعنى المراد؟ وما الصلة غير القائمة على التشبيه بينهما؟ والإجابة الدقيقة عنها تقود غالبًا إلى تحديد العلاقة دون التباس.
تدريبات على تمييز المجاز المرسل من الصور البيانية
يختلط المجاز المرسل بالاستعارة عند بعض الدارسين لأن كليهما يقوم على انتقال اللفظ من معناه الأصلي، غير أن الفاصل الحاسم بينهما هو طبيعة العلاقة. إذا كان الانتقال قائمًا على المشابهة كانت الصورة استعارة، وإذا قام على علاقة أخرى، كالسببية أو الجزئية أو المحلية، كان مجازًا مرسلًا. أما التشبيه فيتميز بوجود طرفين تقوم بينهما مشابهة تظهر في بناء العبارة بدرجات مختلفة.
يمكن اختبار هذا الفارق في جملتين مثل: «رأيت أسدًا يقود الجنود» و«له عندي يد لا أنساها». في الأولى لا يراد الحيوان المفترس، بل رجل شجاع شُبِّه بالأسد، ولذلك تقوم الصورة على المشابهة وتندرج في الاستعارة. وفي الثانية يراد باليد النعمة أو الإحسان الذي كانت اليد وسيلة في تقديمه، فالعلاقة سببية لا مشابهة، ومن ثم يكون التعبير من المجاز المرسل.
وفي تدريب آخر، يمكن مقارنة «ابتسم الصباح» بقولنا: «قررت المدرسة تكريم المتفوقين». إسناد الابتسام إلى الصباح يبني صورة تقوم على تشخيصه وإكسابه ملمحًا من ملامح الإنسان، فتتجه الصورة نحو الاستعارة. أما «المدرسة» في المثال الثاني فيمكن أن يراد بها إدارتها أو القائمون عليها، فيذكر المكان ويقصد من يوجد فيه، وهي علاقة محلية متى دل السياق على هذا المراد.
ويتطلب التمييز أيضًا الانتباه إلى الكناية، لأنها لا تقوم بالطريقة نفسها على قرينة تمنع المعنى الأصلي. فقد يحتمل التعبير الكنائي معناه الظاهر مع إرادة معنى ملازم له، بينما توجد في المجاز قرينة تصرف الذهن عن الحقيقة المقصودة ابتداءً. لذلك لا يكفي البحث عن تعبير غير مباشر، بل يجب فحص إمكان إرادة المعنى الحقيقي وطبيعة الصلة بين الدلالتين.
ومن التدريبات المفيدة تحليل العبارات الآتية ذهنيًا: «شربت ماء النهر»، و«أرسلت العيون لمراقبة الطريق»، و«هذا الرجل بحر في الكرم»، و«واسأل القرية». في الأولى قد يطلق الكل ويراد بعضه بحسب السياق، وفي الثانية تطلق العيون وهي أجزاء ويراد أصحابها، أما البحر إذا أطلق على الكريم فالعلاقة فيه المشابهة في السعة والكثرة، بينما القرية يراد بها أهلها على علاقة المحلية.
وتزداد القدرة على تمييز المجاز المرسل عندما يكون التحليل قائمًا على الاستبعاد المنطقي. فإذا وجدت مشابهة واضحة، خرج المثال إلى الاستعارة. وإذا غابت المشابهة، يُبحث عن صلة سببية أو كمية أو مكانية أو زمنية أو آلية. وإذا كان المعنى الحقيقي ممكنًا مع دلالة ملازمة مقصودة، وجب النظر في احتمال الكناية. بذلك يتحول التمييز بين الصور البيانية من تخمين إلى تحليل دلالي منظم.
تمارين على علاقات المجاز المرسل مع الحل
يبدأ التدريب الفعال على العلاقات المتقابلة بأمثلة تكشف اتجاه الانتقال بين المعنيين. في العبارة «رعت الإبل الغيث»، اللفظ المجازي هو «الغيث»، والمقصود النبات، والغيث سبب في ظهور النبات؛ ولذلك فالعلاقة السببية. وفي «أمطرت السماء نباتًا»، المذكور هو المسبَّب، أي النبات، بينما المقصود السبب، أي المطر، فتكون العلاقة المسبَّبية.
وفي تمرين «أرسلت الشركة عيونًا لمتابعة العمل»، لا يقصد إرسال أعضاء البصر منفردة، وإنما أشخاص يراقبون، فذُكر الجزء وأريد الكل، وتكون العلاقة الجزئية. أما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، فالمقصود أطراف الأصابع لا الأصابع كاملة، وبذلك ذُكر الكل وأريد الجزء، فتكون العلاقة الكلية.
ولتمييز العلاقات المكانية يمكن تحليل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾. القرية مكان، ولا يمكن سؤال مبانيها، وإنما المقصود أهلها، فتكون العلاقة المحلية؛ لأن المحل ذُكر وأريد الحال فيه. ومثله في الاستعمال المعاصر قولنا: «أعلنت الجامعة قرارها»، إذا كان المقصود المسؤولين فيها، إذ ينتقل اسم المكان أو المؤسسة إلى الأشخاص الذين يمثلونها بحسب السياق.
أما العلاقة الزمنية فتظهر بوضوح في تمرينين متقابلين. في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾، المقصود الذين تجاوزوا حال اليتم وأصبحوا أهلًا لاستلام المال، لكن الاسم يراعي حالتهم السابقة، فالعلاقة اعتبار ما كان. وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، المراد العنب قبل تحوله، وقد سمي باسم ما سيؤول إليه، فالعلاقة اعتبار ما سيكون.
ويمكن اختبار الفهم بمثال الآلية في قول يراد فيه باللسان الكلام أو اللغة. فاللسان عضو يستعمل آلة للنطق، وعندما يطلق اسمه ويراد ما يصدر بوساطته تكون العلاقة الآلية. ولا يكفي في الحل كتابة اسم العلاقة؛ فالتحليل الأقوى يبين دائمًا المعنى الحقيقي، والمعنى المراد، واتجاه الصلة بينهما، لأن الخطأ غالبًا ينشأ من عكس العلاقة لا من الجهل باسمها.
وتكشف هذه التمارين أن أصعب الأزواج هي السببية والمسبَّبية، والجزئية والكلية، والمحلية والحالية، واعتبار ما كان واعتبار ما سيكون. والقاعدة الضابطة هي النظر إلى اللفظ المذكور أولًا: إن كان سببًا فالعلاقة سببية، وإن كان نتيجة فمسبَّبية، وإن كان جزءًا فجزئية، وإن كان كلًّا فكلية، ثم يطبق المنطق نفسه على بقية العلاقات.
نماذج تطبيقية تجمع أشهر أمثلة المجاز المرسل
من أشهر النماذج التي تكشف جمال المجاز المرسل قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾. لا يراد سؤال المكان ذاته، بل سؤال أهله، ولذلك تقوم الصورة على المحلية. قوة التعبير هنا نابعة من قدرة اسم المكان على استحضار الجماعة المرتبطة به في لفظ واحد، وهو ما يمنح العبارة إيجازًا واتساعًا دلاليًا في الوقت نفسه.
ومن النماذج القرآنية المشهورة قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، إذ المقصود الأنامل أو أطراف الأصابع، لكن التعبير أطلق الكل وأراد الجزء، فعلاقته الكلية. ويؤدي هذا الاختيار وظيفة تصويرية قوية؛ لأن ذكر الأصابع كاملة يوحي بشدة محاولة سد الآذان والمبالغة في الإعراض عما يسمعونه.
وتتجلى الجزئية في إطلاق جزء بارز من الإنسان وإرادة الإنسان كله، مثل استعمال «الرقبة» للدلالة على الشخص في سياق العتق. كما تظهر في إطلاق «العيون» على المراقبين عندما تكون وظيفة الرؤية هي أبرز ما يميز دورهم في السياق. لا توجد هنا مشابهة بين الجزء والكل، وإنما توجد رابطة حقيقية بينهما، ولذلك يظل التعبير داخل دائرة المجاز المرسل.
وفي العلاقات السببية، يقدم قول «رعت الماشية الغيث» نموذجًا واضحًا؛ فالمقصود النبات الذي كان الغيث سببًا في إنباته. أما «أمطرت السماء نباتًا» فيعكس الاتجاه، لأن النبات نتيجة للمطر، وقد ذكر المسبَّب وأريد السبب. ويبرز من مقارنة المثالين أن تحديد العلاقة يتوقف على اتجاه الانتقال من المذكور إلى المقصود، لا على مجرد وجود رابطة السببية بين الطرفين.
ويكشف قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ عن علاقة اعتبار ما سيكون؛ فالذي يعصر هو العنب، لكنه سمي خمرًا بالنظر إلى المآل المتوقع. ويقابله قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ في علاقة اعتبار ما كان، حيث يستمر الاسم في التعبير عن حالة سابقة بعد تغيرها في الزمن الذي يتعلق به الحكم.
وهكذا تجمع أشهر أمثلة المجاز المرسل بين علاقات كمية كالكلية والجزئية، وسببية كالسببية والمسبَّبية، ومكانية كالمحلية والحالية، وزمنية كاعتبار ما كان وما سيكون، إلى جانب الآلية وغيرها من العلاقات التي يذكرها البلاغيون. وما يوحدها جميعًا أن الصلة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد ليست المشابهة، بل رابطة دلالية أخرى تمنح التعبير إيجازًا وقوة وإيحاءً.
ما هو المجاز المرسل في اللغة العربية؟
المجاز المرسل هو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي، مع وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المقصود لا تقوم على المشابهة، ووجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي.
ما أشهر علاقات المجاز المرسل؟
من أشهر علاقاته السببية، والمسببية، والجزئية، والكلية، والمحلية، والحالية، واعتبار ما كان، واعتبار ما سيكون. ويُحدد نوع العلاقة بالنظر إلى اتجاه الانتقال من المعنى المذكور إلى المعنى المراد.
ما الفرق بين المجاز المرسل والاستعارة؟
الفرق الأساسي هو طبيعة العلاقة؛ فالاستعارة تقوم على المشابهة، أما المجاز المرسل فيقوم على علاقة غير المشابهة، مثل السببية أو الجزئية أو الكلية أو المحلية.
يكشف المجاز المرسل عن جانب مميز من جماليات البلاغة العربية، إذ يمنح التعبير قدرة على الإيجاز والتكثيف والإيحاء من خلال العلاقات الدقيقة بين المعاني. ولا يقتصر إتقانه على حفظ علاقاته، بل يعتمد على فهم السياق، وتحديد المعنى الحقيقي والمقصود، واكتشاف القرينة والعلاقة بينهما. ومن خلال التدريب على الشواهد المختلفة يصبح تمييز المجاز المرسل وتحليل أثره البلاغي أكثر سهولة ودقة.
المصادر والمراجع
المجاز المرسل: مفهومه وعلاقاته وأمثلته – وزارة الأوقاف المصرية
المجاز المرسل وعلاقاته والقرينة – جواهر البلاغة
المجاز المرسل والسببية والمسببية – جامعة المدينة
المجاز المرسل في القرآن الكريم – الموسوعة القرآنية المتخصصة
تعريف المجاز المرسل – مجمع اللغة العربية بالقاهرة
هل تود اقتباس هذا المقال في بحثك؟
تنويه مهم بشأن حقوق المحتوى
جميع الحقوق محفوظة لموقع نبض العرب © 2026. يُمنع نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو ترجمته أو اقتباس أكثر من 10% منه إلا بإذن خطي مسبق. لأي استخدام تجاري أو أكاديمي، يُرجى التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected].







