اللغة العربيةالبلاغة ولطائف البيان

أركان الاستعارة بين المستعار منه والمستعار له وسر جمال البيان

📊

إحصائيات المقال

👁️ 170 مشاهدة
متواجدون
--
📝
كلمات
10549
⏱️
قراءة
53 د
📅
نشر
2026/09/24
🔄
تحديث
2026/09/24
هل لديك استفسار؟ ✉️ تواصل

تَقُومُ أركان الاستعارة في البلاغة العربية على ثلاثة عناصر جوهرية تحول التشبيه من صورته المطردة إلى مجاز لغوي بليغ عبر حذف أحد طرفيه الأساسيين لادعاء أن المشبه هو عين المشبه به؛ لتشكل الاستعارة أرقى ضروب البيان وأشدها تأثيراً في تصوير المعنى. تنحدر الاستعارة في أصلها البلاغي من «التشبيه البليغ» (الذي حُذفت منه الأداة ووجه الشبه معاً)، ولا تكتمل بنيتها إلا بوجود: المستعار له (وهو المشبه في الأصل)، والمستعار منه (وهو المشبه به في الأصل)، والمستعار (وهو اللفظ أو الصفة المنقولة من الأصل إلى المعنى المجازي)؛ ويشترط لانعقادها وجود «جامع» (وجه الشبه المتخيل)، مع «قرينة» مانعة من إرادة المعنى الحقيقي (لفظية أو حالية)؛ فإذا صُرح في الكلام بلفظ المشبه به سُميت «استعارة تصريحية»، وإذا حُذف المشبه به ورُمز له بشيء من لوازمه سُميت «استعارة مكنية».

أركان الاستعارة وأسرار المستعار منه والمستعار له في جمال التعبير

١. الأركان التركيبية الثلاثة للاستعارة

  • المستعار له (المشبه أصلاً):
    • يمثل المعنى أو الذات المراد وصفها أو نقل الصفة إليها؛ وهو الطرف الذي يُراد تضخيم خصائصه عبر إلحاقه بكيان آخر.
    • يُصرح به في الاستعارة المكنية، بينما يُحذف تماماً من اللفظ في الاستعارة التصريحية مع بقاء معناه مفهوماً من السياق.
  • المستعار منه (المشبه به أصلاً):
    • يمثل الأصل الذي انتُزعت منه الصفة أو اللفظة لثرائه بالمعنى وقوة اتصافه به في الذهن والوجدان.
    • يُعد الطرف الأقوى دلالياً؛ إذ يُصرح بلفظه في الاستعارة التصريحية (مثل استعارة لفظ “البحر” للإنسان الكريم)، في حين يُحذف في المكنية ويُكتفى بذكر لازم من لوازمه.
  • المستعار (اللفظ المنقول):
    • هو عين اللفظ أو المعنى المشترك الذي نُقل من دلالته الوضعية الحقيقية إلى دلالة مجازية مبتكرة لإفادة معنى جديد لا يؤديه اللفظ المجرد.

٢. شروط صحة البناء البلاغي للاستعارة

  • الجامع (وجه الشبه المدّعى):
    • هو الوصف المشترك بين المستعار له والمستعار منه؛ ويشترط فيه ألا يكون حقيقياً بحتاً كالتشبيه الظاهر، بل قائماً على تناسي التشبيه وادعاء أن الفرع صار عيناً للأصل (كاتحاد الشجاعة بين الرجل والأسد).
  • القرينة المانعة (حارسة المعنى المجازي):
    • تمثل العلامة التي تصرف ذهن السامع عن المعنى الحقيقي الحرفي وتوجهه حتماً إلى المعنى المجازي، وتنقسم إلى قسمين:
      • قرينة لفظية (مقالية): لفظ يُذكر صراحة في الكلام يمنع الحقيقة؛ كقولك: «رأيتُ أسداً يخطبُ على المنبر»؛ فـ «يخطب على المنبر» قرينة لفظية تمنع إرادة الحيوان المفترس.
      • قرينة حالية (معنوية): تُفهم من سياق الحال والظروف المحيطة بالكلام دون ذكر لفظ مانع صريح؛ كقول الشاعر مادحاً وهو يشير إلى الخليفة: «أقبلَ يمشي في البساطِ فما درى.. إلى البحرِ يسعى أمْ إلى البدرِ يرتقي».

٣. نماذج تطبيقية للتفريق بين نوعي الاستعارة

  • الاستعارة التصريحية (حذف المستعار له والتصريح بالمستعار منه):
    • الشاهد القرآني: قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
    • التحليل البلاغي:
      • المستعار له (المحذوف): الكفر والجهل (في الشطر الأول)، والإيمان والهدى (في الشطر الثاني).
      • المستعار منه (المصرح به): الظلمات، والنور.
      • المستعار: لفظ الظلمات والنور للدلالة على الضلال والهدى.
      • القرينة: حالية؛ إذ المعلوم شرعاً وعقلاً أن الرسل تخرج من الكفر إلى الإيمان لا من ظلمة الليل إلى ضوء النهار.
  • الاستعارة المكنية (حذف المستعار منه وإبقاء لازمة من لوازمه):
    • الشاهد الأدبي: قول الحجاج بن يوسف: «إني لأرى رؤوساً قد أينعتْ وحانَ قطافُها».
    • التحليل البلاغي:
      • المستعار له (المذكور): الرؤوس.
      • المستعار منه (المحذوف): الثمار الناضجة.
      • المستعار (اللازمة الدالة عليه): لفظ «أينعت / قطافها»، وهو إثبات لازم من لوازم الثمار للرؤوس على سبيل الاستعارة المكنية التخييلية.
      • القرينة: إثبات الإيناع والقطاف للرؤوس الآدمية، وهو مستحيل حقيقة.

بطاقة استعراضية شاملة لمنظومة أركان الاستعارة وعناصرها

الركن البلاغيأصله في التشبيهموقعه في التصريحيةموقعه في المكنيةالوظيفة الدلالية
المستعار لهالمشبهمحذوف (يُفهم من السياق)مذكور ومصرح بهالذات أو الفكرة المراد تزيينها أو بيان حالها
المستعار منهالمشبه بهمذكور ومصرح بهمحذوف (يُرمز له بلازم)الأصل المأخوذ منه الوصف لقوة اتصافه به
المستعارالصفة / اللفظاللفظ المنقول المصرح بهالمعنى المنقول المكنّى عنهالأداة اللغوية التي حققت النقلة المجازية
الجامعوجه الشبهمتخيل في الذهنمتخيل في الذهنالرابط المشترك القائم على ادعاء المطابقة التامة
القرينةدليل الانصرافلفظية أو حاليةإثبات لازم من لوازم المحذوفمنع التفسير الحرفي وصيانة المعنى المجازي

عند تفكيك أي نص يحتوي على استعارة وتحديد أركانها بدقة، أعد الجملة أولاً إلى أصلها التشبيهي المفترض في ذهنك (أ = ب)؛ فإذا وجدت أن اللفظ المكتوب أمامك في النص هو «الطرف الثاني المشبه به»، فأنت مباشرة أمام «استعارة تصريحية» حُذف منها المشبه؛ أما إذا وجدت أن المكتوب هو «الطرف الأول المشبه»، ولكن نُسب إليه فعل أو صفة مستحيلة لا تليق به حقيقة بل تليق بشيء آخر محذوف، فأنت قطعاً أمام «استعارة مكنية». وفي هذا المقال سنستعرض تفاصيل أركان الاستعارة وأسرار بنائها البلاغي المائز بين التصريح والكناية، مع تسليط الضوء على أنواع القرائن اللفظية والمعنوية التي تحرس الدلالة، واستكشاف الشواهد الشعرية والقرآنية التي تبرز كيف يمنح حذف أحد الطرفين النص حيوية تخييلية لا يبلغها التشبيه الصريح.

 

أركان الاستعارة وأساس بناء الصورة البيانية في اللغة العربية

تقوم أركان الاستعارة على بناء لغوي دقيق ينقل اللفظ من دلالته الأصلية إلى دلالة جديدة تربط بين شيئين على أساس المشابهة. ولا يحدث هذا الانتقال اعتباطًا، بل ينشأ من تصور بلاغي يرى صفة مشتركة بين طرفين، ثم يجعل أحدهما حاضرًا في التعبير بلفظ الآخر، فتتكون صورة تتجاوز التقرير المباشر إلى الإيحاء والتخييل.

 

أركان الاستعارة وأساس بناء الصورة البيانية في اللغة العربية

ويظهر أساس الصورة الاستعارية حين يلاحظ المتكلم شبهًا بين أمرين، ثم يحذف أحد طرفي التشبيه ويستعمل ما يدل على الطرف الآخر. فإذا قيل عن رجل شجاع: «رأيت أسدًا يتقدم الصفوف»، لم يعد لفظ الأسد مقصودًا به الحيوان المعروف، وإنما انتقلت منه دلالة القوة والشجاعة إلى الإنسان، فتحولت المشابهة إلى صورة بيانية مكثفة.

ولا تنحصر أركان الاستعارة في لفظ ظاهر داخل الجملة، لأن بعضها يُفهم من السياق أو يكون محذوفًا وفق نوع الاستعارة. ولهذا يحتاج تحليلها إلى إدراك أصل التشبيه الذي قامت عليه، وتحديد الطرف الذي أُخذ منه اللفظ والطرف الذي نُقلت إليه الدلالة، ثم معرفة اللفظ المستعمل والعلاقة التي سمحت بهذا الانتقال.

وتكتسب الصورة الاستعارية قوتها من هذا الاختصار؛ فهي لا تصف الشيء بصفة مجردة فحسب، وإنما تجعله قريبًا من صورة محسوسة أو متخيلة. فالقول إن العلم «نور» أقدر على استحضار معنى الهداية والكشف من الاكتفاء بوصف العلم بأنه وسيلة للمعرفة، لأن الصورة تجمع معاني متعددة في تركيب موجز.

كما ترتبط أركان الاستعارة بطبيعة السياق ارتباطًا وثيقًا، إذ لا تكفي المشابهة وحدها لفهم المراد. فالسياق هو الذي يكشف أن اللفظ خرج عن معناه الحقيقي، ويوجه الذهن إلى المعنى المجازي المقصود، وبذلك تتكامل عناصر الصورة لتؤدي وظيفة جمالية ودلالية في آن واحد.

وتتفاوت القيمة البيانية للاستعارة بحسب دقة الصلة بين طرفيها وملاءمتها للمقام. وكلما كان الانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى المراد واضح الأساس وغير مبتذل، استطاعت الصورة أن تضيف إلى العبارة قوة في التصوير، وأن تمنح المعنى المجرد هيئة أكثر حضورًا في ذهن المتلقي. ويمتد النظر في أثر هذه الصور إلى دور النقد الأدبي في إبراز الجماليات التي يصنعها التعبير داخل النص.

تعريف الاستعارة ومكانتها في علم البيان

الاستعارة لون من ألوان المجاز يقوم على استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة المشابهة، مع وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. وهي في أصلها تشبيه حُذف أحد طرفيه، ولذلك تحتفظ في بنيتها بجوهر التشبيه، لكنها تقدمه بصورة أكثر اندماجًا وإيجازًا، حتى يبدو أحد الطرفين في هيئة الطرف الآخر. وتتضح حدودها أكثر عند مقارنتها بصور بلاغية أخرى مثل المجاز المرسل وأنواع الكناية والتورية.

فحين يقال: «ابتسم الصباح»، لا يراد إثبات الابتسام الحقيقي للصباح، وإنما تُنقل إليه هيئة من هيئات الإنسان لتصوير إشراقه وبهجته. وتعمل أركان الاستعارة هنا في إطار صورة لا تكتفي بإخبار القارئ بظهور الصباح، بل تمنحه مشهدًا تتداخل فيه الحركة والإحساس والدلالة.

وتحتل الاستعارة مكانة أساسية في علم البيان، لأنها تكشف قدرة اللغة على التعبير عن المعنى الواحد بدرجات مختلفة من التصوير. فالبيان يهتم بطرائق إظهار المعنى وإبرازه، والاستعارة من أكثر هذه الطرائق قدرة على تحويل المفاهيم الذهنية والمشاعر والصفات إلى صور قابلة للتخيل والإدراك.

وتبرز قيمتها كذلك في قدرتها على الاقتصاد اللغوي؛ فقد يحمل لفظ واحد مجموعة من الصفات التي يحتاج التعبير المباشر إلى عدة كلمات لشرحها. وعندما يوصف العالم بأنه «بحر»، تستدعي الصورة السعة والعمق والغزارة، ولا تقف عند صفة منفردة، وهو ما يمنح العبارة كثافة دلالية واضحة.

ولا يتحقق جمال الاستعارة بمجرد استبدال كلمة بأخرى، بل يتوقف على مناسبة الصورة للمعنى والسياق. فالاستعارة الناجحة تنشئ علاقة يمكن للذهن إدراكها دون أن تصبح تقريرية جامدة، وتفتح في الوقت نفسه مجالًا للتخيل، فتجمع بين وضوح المقصود وما يضيفه التعبير المجازي من إيحاء.

ومن هنا ترتبط أركان الاستعارة بوظيفتها البيانية ارتباطًا مباشرًا؛ فتمييز الطرفين والعلاقة والقرينة لا يهدف إلى التحليل الاصطلاحي وحده، وإنما يفسر الطريقة التي تشكلت بها الصورة. وفهم هذه البنية يوضح سر قدرتها على تجسيد المعاني وتقريبها وإكساب الأسلوب قوة وجمالًا.

المستعار منه والمستعار له والمستعار في تركيب الاستعارة

المستعار منه هو الطرف الذي أُخذ منه اللفظ أو المعنى التصويري، ويقابل المشبه به في أصل التشبيه. أما المستعار له فهو الطرف الذي نُقل إليه ذلك اللفظ، ويقابل المشبه. وعلى هذا الأساس تكشف أركان الاستعارة عن حركة الدلالة من مجال أصلي إلى مجال جديد يجمعه بالأول وجه من وجوه المشابهة.

في قولنا: «رأيت أسدًا يخطب في الجنود»، يكون الرجل الشجاع هو المستعار له، لأنه المقصود بالوصف، بينما الأسد هو المستعار منه الذي أُخذت منه صورة الشجاعة والقوة. وقد أتاح التشابه في الشجاعة انتقال الاسم من الحيوان إلى الإنسان، فصار اللفظ يؤدي وظيفة تصويرية لا يؤديها الوصف المباشر بالقوة نفسها.

أما المستعار فهو اللفظ الذي جرى نقله من معناه الأصلي إلى المعنى المجازي. ففي المثال السابق يكون لفظ «الأسد» هو المستعار؛ لأنه استُعمل للدلالة على الرجل الشجاع بدل دلالته الأصلية على الحيوان. ومن خلال هذا اللفظ تتحقق عملية النقل التي تقوم عليها الصورة الاستعارية.

ويكشف التمييز بين هذه العناصر أن الاستعارة ليست مجرد كلمة مجازية منعزلة، وإنما بناء دلالي تتفاعل داخله أطراف متعددة. فالمستعار منه يمد الصورة بصفاتها، والمستعار له يستقبل تلك الصفات، والمستعار يحمل عملية النقل في التعبير، بينما تضبط العلاقة والقرينة فهم الصورة وتمنع الالتباس.

وتساعد معرفة أركان الاستعارة على رد الصورة إلى أصلها التشبيهي من غير إفساد قيمتها البلاغية. فعندما يقال «العلم نور»، يمكن إدراك أن العلم هو الطرف المقصود، وأن النور مصدر الصورة، وأن الجامع بينهما يتمثل في الكشف والهداية وإزالة ما يحجب الإدراك، فتتضح الآلية التي أنتجت التعبير.

وتتغير طريقة ظهور هذه العناصر باختلاف نوع الاستعارة؛ فقد يُصرح بلفظ المستعار منه، وقد يُحذف ويُشار إليه بشيء من خصائصه أو لوازمه. لذلك لا يعتمد التحليل الصحيح على البحث عن ألفاظ ثابتة في الجملة، وإنما على فهم العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى الذي أراده المتكلم في السياق.

العلاقة والقرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي

العلاقة في الاستعارة هي المشابهة التي تتيح انتقال اللفظ من معناه الحقيقي إلى معنى آخر. وهذه السمة تميز الاستعارة عن صور مجازية تقوم على علاقات أخرى، لأن المتكلم يرى بين الطرفين وجه شبه يسمح باستعارة اسم أحدهما أو شيء من خصائصه للطرف الآخر، فتتشكل الصورة على أساس دلالي مفهوم.

وقد تكون المشابهة قائمة على صفة ظاهرة مثل الشجاعة أو الجمال أو السرعة، وقد تتصل بمعنى ذهني أعمق مثل الهداية أو القوة أو الإحياء. ففي وصف العلم بالنور تقوم العلاقة على ما يشترك فيه الاثنان من الكشف والإبانة، ولذلك لا يكون اختيار الصورة منفصلًا عن المعنى الذي يراد تأكيده.

أما القرينة فهي العنصر الذي يمنع حمل اللفظ على حقيقته ويوجه الذهن نحو الدلالة المجازية. فإذا قيل: «خطب الأسد في الجنود»، دل فعل الخطابة وما يحيط به من سياق بشري على أن المقصود ليس الحيوان الحقيقي. وبهذا تصبح القرينة جزءًا حاسمًا من أركان الاستعارة لأنها تضبط مسار التأويل.

وقد تكون القرينة لفظية تظهر في كلمة أو تركيب داخل العبارة، وقد تُفهم من المقام والسياق الذي ورد فيه الكلام. والمهم أن تكون قادرة على صرف الذهن عن المعنى الحقيقي؛ لأن بقاء احتمال الحقيقة دون ما يمنعها يغيّر طريقة فهم التركيب ويجعل الحكم على الصورة البلاغية محتاجًا إلى مزيد من النظر.

وتتضافر العلاقة والقرينة في أداء وظيفتين مختلفتين ومتكاملتين؛ فالعلاقة تفسر سبب إمكان الانتقال بين المعنيين، بينما تكشف القرينة أن هذا الانتقال قد وقع فعلًا في السياق. الأولى تجيب عن أساس المشابهة، والثانية تمنع تفسير اللفظ على دلالته الأصلية، ومن اجتماعهما يستقيم فهم الصورة.

وتظهر القيمة الجمالية لأركان الاستعارة عندما تكون العلاقة ملائمة والقرينة مندمجة في التعبير دون تكلف. عندئذ لا تبدو الاستعارة مجرد زخرف لفظي، بل تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل المعنى في صورة حية، فتقرب المجرد، وتجسد الإحساس، وتوسع الدلالة، وتمنح العبارة قدرة أكبر على التأثير في الخيال والذهن، وهو ما يتكامل مع عناية علم المعاني بملاءمة التعبير للمقام.

 

المستعار منه والمستعار له وكيفية التمييز بينهما

تقوم أركان الاستعارة على علاقة أصلها التشبيه، لكنها لا تظهر في العبارة بالصورة الكاملة التي يظهر بها التشبيه الصريح. فالمتكلم ينقل لفظًا أو معنى من مجال إلى مجال آخر اعتمادًا على مشابهة تجمع بين الطرفين، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. ومن هنا يصبح تحديد المستعار منه والمستعار له أساسًا لفهم البناء الاستعاري وكشف الصورة التي أرادها المتكلم.

ويمكن رد الاستعارة ذهنيًا إلى تشبيه قبل تحليلها. فعندما يقال: «رأيت أسدًا يخوض المعركة»، والمقصود رجل شجاع، يكون الأصل المعنوي: الرجل الشجاع كالأسد في الجرأة. الرجل هو المشبه، والأسد هو المشبه به، ثم انتقل اسم الأسد إلى الرجل للمبالغة في تصوير شجاعته. وعلى هذا الأساس يسمى المشبه مستعارًا له، ويسمى المشبه به مستعارًا منه.

وتظهر أهمية هذا التمييز في أن أركان الاستعارة لا تتحدد بالنظر إلى اللفظ المذكور وحده، وإنما بالنظر إلى اتجاه انتقال الدلالة. فالمستعار منه هو الأصل الذي أُخذت منه الصورة أو الصفة، أما المستعار له فهو الطرف الذي نُقلت إليه هذه الصورة. واللفظ الذي جرى نقله من معناه الأصلي إلى المعنى المقصود يسمى المستعار، وتجمع المشابهة بين طرفي الصورة. ويرتبط فهم هذه المصطلحات كذلك بدراسة المصطلحات اللسانية التي تصف الظواهر والعلاقات داخل اللغة.

ويفيد إعادة العبارة إلى أصلها التشبيهي في إزالة الالتباس بين الطرفين. فإذا أمكن القول إن شيئًا يشبه شيئًا آخر، فالأول الذي يراد وصفه هو المستعار له، والثاني الذي استمدت منه الصورة هو المستعار منه. وبهذا لا يعود التحليل قائمًا على حفظ المصطلحات، بل على فهم العلاقة الدلالية التي أنشأت الصورة البيانية.

معنى المستعار منه وعلاقته بالمشبه به

المستعار منه هو الطرف الذي تؤخذ منه الصفة أو الصورة لتُنقل إلى طرف آخر، ولذلك يقابل المشبه به في أصل التشبيه. فعندما يشبه المتكلم الرجل الكريم بالبحر بسبب كثرة عطائه، يكون البحر هو المشبه به. فإذا حُذف الرجل وقيل: «جاء بحر يفيض عطاءً»، صار البحر مستعارًا منه، لأن دلالته هي المصدر الذي استمدت منه الصورة وأُسندت إلى الرجل الكريم.

ويتضح موقع المستعار منه ضمن أركان الاستعارة عند استحضار عملية النقل الدلالي نفسها. فالأسد مثلًا معروف بالقوة والجرأة في الاستعمال البلاغي، والبحر قد يستحضر معنى السعة والكثرة، والنور يمكن أن يصور الهداية أو العلم والوضوح. وحين تنتقل إحدى هذه الدلالات إلى إنسان أو معنى مجرد، يكون الأصل الذي صدرت عنه الصورة هو المستعار منه. وتكشف دراسة كتاب البيان والتبيين جانبًا من حضور البيان وطرائق التعبير في التراث العربي.

ولا يعني ذلك أن جميع صفات المستعار منه تنتقل إلى المستعار له؛ فالعلاقة تقوم على وجه مشابهة مناسب للسياق. فحين يوصف العالم بأنه بحر، لا يراد أنه يشبه البحر في الماء أو الأمواج، وإنما المقصود سعة العلم وغزارته. ولهذا يؤدي السياق دورًا حاسمًا في تحديد الجانب الذي قامت عليه المشابهة، ويمنع حمل اللفظ المستعار على حقيقته.

وتبرز القيمة البيانية للمستعار منه في قدرته على إكساب المعنى صورة محسوسة أو أكثر قوة وإيحاءً. فبدل الاكتفاء بالقول إن الرجل شديد الشجاعة، يمكن تصويره بالأسد، فتنتقل إلى الذهن هيئة القوة والإقدام بصورة أكثر تكثيفًا. وهكذا تصبح أركان الاستعارة مترابطة؛ إذ لا يفهم المستعار منه بعيدًا عن المستعار له والعلاقة التي سمحت بانتقال الدلالة بينهما.

معنى المستعار له وعلاقته بالمشبه

المستعار له هو الطرف الذي يُراد وصفه أو تصويره، وتُنقل إليه دلالة مأخوذة من طرف آخر بسبب وجود مشابهة بينهما. وهو يقابل المشبه في أصل التشبيه، ولذلك يمثل المقصود الحقيقي من الصورة الاستعارية. فإذا كان الأصل «الجندي كالأسد في الشجاعة»، فالجندي هو المشبه، وعند تحويل التشبيه إلى استعارة يصبح هو المستعار له الذي استعير له لفظ الأسد.

وقد يكون المستعار له شخصًا أو شيئًا محسوسًا أو معنى مجردًا، فلا يقتصر على نوع واحد من المدلولات. ففي تصوير العلم بالنور يكون العلم هو المستعار له، لأن صفة الإضاءة والكشف انتقلت إليه من النور. وفي تصوير الجهل بالظلام يكون الجهل مستعارًا له، بينما يمثل الظلام المجال الذي أخذت منه الصورة. ويتحدد الطرفان بحسب اتجاه انتقال المعنى لا بحسب كونهما محسوسين أو مجردين.

ويكشف تحليل أركان الاستعارة أن المستعار له هو الغاية التي تخدمها الصورة البيانية؛ فالمتكلم لا يستحضر الأسد أو البحر أو النور لذاتها، وإنما ليستفيد من خصائصها في تصوير معنى آخر. ومن ثم فإن السؤال عن الشيء المقصود حقيقة في السياق يساعد على اكتشاف المستعار له، بينما يقود السؤال عن المصدر الذي أُخذت منه الصورة إلى معرفة المستعار منه. وهذا الاهتمام بتحليل النص ودلالاته يلتقي مع أهمية النقد الأدبي في دراسة النصوص والكشف عن طرائق بنائها.

وقد يظهر المستعار له صراحة في بعض صور الاستعارة، وقد يُفهم من السياق في صور أخرى، تبعًا لطريقة بناء التعبير. ومع ذلك تبقى علاقته بالمشبه ثابتة من الناحية البلاغية؛ فهو الطرف الذي وقع عليه التشبيه في الأصل، ثم تلقى اللفظ أو الصورة المستعارة. وفهم هذه العلاقة يجعل تحليل الاستعارة قائمًا على إدراك المعنى قبل تسمية المصطلحات.

أمثلة توضح الفرق بين المستعار منه والمستعار له

يكشف المثال المباشر الفرق بين الطرفين بصورة واضحة. ففي قولنا: «رأيت أسدًا يقود الجنود»، مع العلم أن المقصود قائد شجاع، يكون القائد هو المستعار له لأنه الطرف المراد وصفه، بينما يكون الأسد هو المستعار منه لأنه مصدر صورة الشجاعة. أما لفظ «أسد» فهو اللفظ المستعار الذي نُقل من الحيوان المعروف إلى الإنسان اعتمادًا على المشابهة في الجرأة والإقدام.

وفي قولنا: «هذا العالم بحر في المعرفة»، تقوم الصورة على تشبيه سعة علم العالم بسعة البحر وغزارته. العالم هو المشبه والمستعار له، والبحر هو المشبه به والمستعار منه. وعندما يستعمل البحر للدلالة على العالم الغزير العلم، تنتقل دلالة السعة والكثرة من المجال الأصلي إلى المجال المقصود، فتمنح العبارة قوة لا يؤديها الوصف المباشر بالدرجة نفسها. ويساعد الرجوع إلى معجم لسان العرب في تتبع الدلالات الأصلية للألفاظ واستعمالاتها العربية.

وتظهر أركان الاستعارة كذلك في التعبيرات المعنوية. ففي استعمال النور للدلالة على الهداية، تكون الهداية هي المستعار له لأنها المعنى المقصود، ويكون النور هو المستعار منه لأنه الأصل الذي أُخذت منه صورة الكشف والوضوح. وبالمثل، إذا استعمل الظلام للدلالة على الضلال، فالضلال مستعار له، والظلام مستعار منه، والمشابهة قائمة على ما يوحي به كل منهما من غياب الرؤية أو الاهتداء.

ومن الأمثلة المكنية قولنا: «ابتسم الصباح». فالصباح هو المستعار له والمشبه، أما الإنسان الذي يتصور منه الابتسام فهو المستعار منه والمشبه به المحذوف، وقد دل عليه شيء من خصائصه وهو الابتسام. وهنا يتبين أن المستعار منه ليس بالضرورة لفظًا ظاهرًا في الجملة، بل قد يكون محذوفًا يستدل عليه من لازمه، بينما تظل العلاقة بين الطرفين قابلة للاسترجاع من أصل التشبيه. وتكشف مثل هذه الاستعمالات جانبًا من تطور وسائل التعبير الذي يمكن تتبعه ضمن تاريخ اللغة العربية.

ويثبت ذلك أن أفضل طريق للتمييز بين الطرفين هو استعادة الصورة التشبيهية الكامنة وراء التعبير. فما يراد تصويره هو المشبه والمستعار له، وما أُخذت منه الصورة هو المشبه به والمستعار منه. وبهذا الفهم تتضح أركان الاستعارة بوصفها علاقات دلالية مترابطة، ويصبح تحليل جمال البيان قائمًا على تتبع انتقال الصورة والمعنى، لا على حفظ أسماء المصطلحات منفصلة عن وظائفها. ويتسع هذا النظر عند دراسة نشأة النقد الأدبي وتطور أدوات النظر في التعبير والنصوص.

 

علاقة الاستعارة بالتشبيه وأوجه الاختلاف بينهما

ترتبط الاستعارة بالتشبيه ارتباطًا وثيقًا؛ لأن كليهما يقوم على إدراك مشابهة بين شيئين يشتركان في صفة أو معنى. غير أن التشبيه يكشف هذه العلاقة بدرجات متفاوتة من الوضوح، بينما تبني الاستعارة صورتها على حذف أحد طرفي التشبيه ونقل اللفظ إلى مجال جديد. ولهذا تمثل أركان الاستعارة صورة مختزلة من العلاقة التشبيهية الأصلية.

 

علاقة الاستعارة بالتشبيه وأوجه الاختلاف بينهما

ففي قولنا: «الجندي كالأسد في الشجاعة» تظهر عناصر التشبيه بوضوح؛ فالجندي مشبه، والأسد مشبه به، والكاف أداة التشبيه، والشجاعة وجه الشبه. أما إذا قيل: «رأيت أسدًا يقاتل دفاعًا عن وطنه»، فقد حذف المشبه وصرح بالمشبه به، وانتقل التعبير من التشبيه إلى الاستعارة التصريحية، وأصبح الأسد مستعارًا منه والجندي مستعارًا له.

وتتحدد أركان الاستعارة كذلك من خلال اللفظ المستعار والعلاقة القائمة بين الطرفين والقرينة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي. فإذا وصف المتكلم رجلًا بالأسد، فإن الشجاعة هي الجامع الذي أتاح انتقال اللفظ من الحيوان المعروف إلى الإنسان الشجاع، بينما يكشف السياق أن المراد ليس أسدًا حقيقيًا. ومن هنا تظل المشابهة أساسًا مشتركًا بين التشبيه والاستعارة.

لكن الاختلاف الجوهري يظهر في طريقة بناء الصورة. فالتشبيه يبقي المشبه والمشبه به ظاهرين، حتى عندما تحذف منه الأداة ووجه الشبه، كما في «الجندي أسد». أما الاستعارة فلا تجتمع فيها صورة الطرفين على هذا النحو، بل يحذف أحدهما، ويؤدي الطرف المذكور أو ما يدل على المحذوف وظيفة تصويرية أعمق تجعل المعنى أقرب إلى الامتزاج بالصورة.

ولا يقتصر الاختلاف على البناء النحوي والبلاغي، بل يمتد إلى قوة التخييل. فقولنا: «العالم كالبحر في العلم» يقرر مشابهة مفهومة بين العالم والبحر، بينما قولنا: «جلست إلى بحر يفيض علمًا» يجعل القارئ يتخيل العالم في صورة البحر نفسه. وهنا يظهر سر من أسرار جمال أركان الاستعارة، إذ يتحول التشابه من مقارنة معلنة إلى صورة موحية نابضة بالحركة.

كيف تنشأ الاستعارة من التشبيه في الصورة البيانية

تنشأ الاستعارة حين تكون في أصل الصورة علاقة تشبيه، ثم يحذف أحد طرفيها مع الأداة ووجه الشبه، ويبقى في التعبير ما يكشف المعنى المقصود. ويمكن تصور ذلك في قولنا: «العالم كالبحر في سعة العلم»، حيث تظهر العلاقة كاملة بين العالم والبحر، ويجمعهما معنى السعة والغزارة.

إذا حذفت الأداة ووجه الشبه أصبح التعبير: «العالم بحر». وهذه الصورة تشبيه بليغ، لأن الطرفين ما زالا مذكورين؛ فالعالم هو المشبه، والبحر هو المشبه به. أما إذا حذف العالم وقيل: «رأيت بحرًا يجيب عن مسائل طلابه»، فقد بقي المشبه به وحده، ودلت القرينة على أن المقصود إنسان واسع العلم، فتحولت الصورة إلى استعارة تصريحية.

وعند تحليل أركان الاستعارة في هذه الصورة يكون العالم هو المستعار له، والبحر هو المستعار منه، ولفظ البحر هو المستعار، أما العلاقة فهي المشابهة في السعة والغزارة. وتؤدي عبارة «يجيب عن مسائل طلابه» دور القرينة التي تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي للبحر، وبذلك يكتمل البناء المجازي ولا يلتبس بالحقيقة.

وقد تسير عملية الحذف في الاتجاه الآخر، فيبقى المشبه ويحذف المشبه به، مع الإشارة إليه بشيء من لوازمه. فإذا قيل: «ابتسم الصباح»، فقد صور الصباح في هيئة إنسان يبتسم، ثم حذف الإنسان وأبقيت صفة من صفاته. وينشأ بذلك لون من الاستعارة المكنية يعتمد على استحضار المشبه به المحذوف من خلال لازمة تدل عليه.

ولا يعني نشوء الاستعارة من التشبيه أنها مجرد تشبيه ناقص من الناحية الجمالية؛ فالحذف هنا وسيلة لإعادة تشكيل المعنى. عندما يغيب أحد الطرفين يشارك الذهن في استعادته وفهم العلاقة التي تربطه بالطرف المذكور، فتكتسب الصورة كثافة وإيحاءً. لذلك تجمع أركان الاستعارة بين أصل تشبيهي واضح وبناء مجازي يمنح التعبير قدرة أكبر على التصوير.

الفرق بين التشبيه والاستعارة في بناء المعنى

يبني التشبيه المعنى على إثبات مشاركة بين طرفين، مع بقاء كل طرف محتفظًا بهويته داخل العبارة. عندما يقال: «الفتى كالأسد في الشجاعة»، لا يزول الفرق بين الفتى والأسد، وإنما يقرر المتكلم أن بينهما صفة مشتركة. ولهذا يستطيع القارئ تحديد طرفي الصورة مباشرة، سواء ذكرت الأداة ووجه الشبه أم حذف بعضهما.

أما الاستعارة فتبني المعنى بطريقة مختلفة؛ إذ تتجاوز إعلان المشاركة إلى نقل لفظ أو خصيصة من مجال إلى آخر. ففي قولنا: «تقدم الأسد يحمل راية قومه» لا يقدم التعبير الرجل والأسد بوصفهما طرفين ظاهرين للمقارنة، وإنما يستعير لفظ الأسد للرجل الشجاع. وهكذا تصبح أركان الاستعارة أساسًا لفهم عملية النقل الدلالي التي صنعت الصورة.

ويؤثر هذا الاختلاف في طبيعة التلقي. فالتشبيه يوجه الذهن إلى ملاحظة الصفة المشتركة بين شيئين مذكورين، في حين تدفع الاستعارة الذهن إلى اكتشاف الطرف المحذوف وفهم القرينة التي تمنع حمل الكلام على الحقيقة. لذلك يتطلب تحليلها البحث عن المعنى الأصلي للفظ، والمعنى الذي نقل إليه، والجامع بينهما، والسياق الذي يكشف المقصود.

وتتضح المسألة أكثر عند مقارنة «الأمل كالنور» بقولنا: «أشرق الأمل في قلبه». في الصورة الأولى توجد مقارنة معلنة بين الأمل والنور، أما الثانية فتصور الأمل في هيئة شيء يشرق ويبدد العتمة. لم يعد المعنى مجرد إخبار عن التشابه، بل أصبح مشهدًا ذهنيًا تتفاعل فيه الدلالة النفسية للأمل مع الصورة الحسية للإشراق.

ومن هذه الزاوية تكشف أركان الاستعارة عن وظيفة تتجاوز الزينة اللفظية؛ فهي تنظم العلاقة بين المعنى والصورة، وتجعل المجرد أقرب إلى الإدراك الحسي، أو تمنح المحسوس صفات جديدة. ويأتي جمالها من قدرة اللفظ على حمل دلالته المنقولة مع إبقاء ظلال من معناه الأصلي، فتتسع العبارة لما هو أبعد من التقرير المباشر.

التشبيه البليغ والاستعارة وكيفية التمييز بينهما

يعد التشبيه البليغ أكثر أنواع التشبيه قربًا من الاستعارة؛ لأن الأداة ووجه الشبه يحذفان منه، ولا يبقى إلا المشبه والمشبه به. ففي قولنا: «العلم نور» نجد طرفي التشبيه موجودين؛ فالعلم مشبه والنور مشبه به، ولذلك تظل الصورة تشبيهًا بليغًا على الرغم من شدة الإيجاز وغياب أداة التشبيه ووجهه.

أما إذا قيل: «أضاء العلم طريقه»، فقد تغير بناء الصورة؛ إذ شبه العلم بالنور، ثم حذف المشبه به وأشير إليه بشيء من خصائصه وهو الإضاءة. هنا لا يظهر الطرفان معًا كما ظهرا في «العلم نور»، ولهذا ينتقل التحليل إلى الاستعارة. ويصبح التعرف إلى أركان الاستعارة مرتبطًا بتحديد الطرف المحذوف والقرينة الدالة عليه.

ويظهر الفرق كذلك في المثال: «المعلم بحر». هذه العبارة تشبيه بليغ؛ لأن المعلم والبحر مذكوران صراحة، وإن حذفت الأداة ووجه الشبه. فإذا قيل: «استمعت إلى بحر يفيض معرفة»، أصبح لفظ البحر مستعارًا للمعلم، وحذف المشبه مع وجود قرينة تمنع إرادة البحر الحقيقي، فتحولت الصورة إلى استعارة تصريحية.

ولهذا فإن وجود المشبه والمشبه به معًا هو العلامة الأوضح في الفصل بين التشبيه البليغ والاستعارة. لا يكفي حذف الأداة وحدها للحكم بوجود استعارة، كما لا يكفي أن يكون التعبير شديد الإيجاز. فإذا بقي الطرفان كانت العلاقة تشبيهية، أما حذف أحدهما مع قيام القرينة وعلاقة المشابهة فينقل الصورة إلى مجال الاستعارة.

ويكشف هذا التمييز أهمية أركان الاستعارة في التحليل البلاغي الدقيق؛ فالمستعار منه يقابل أصلًا المشبه به، والمستعار له يقابل المشبه، وتقوم العلاقة بينهما على المشابهة. ومن خلال معرفة الطرف المذكور والمحذوف والقرينة يمكن الفصل بين التشبيه البليغ والاستعارة، وفهم مقدار التحول الذي طرأ على الصورة من المقارنة الصريحة إلى التخييل والإيحاء.

 

الاستعارة التصريحية والمكنية وأبرز الفروق بينهما

تنقسم الاستعارة بالنظر إلى الطرف المذكور من طرفي التشبيه إلى استعارة تصريحية واستعارة مكنية، ويقوم الفرق بينهما على طريقة بناء الصورة لا على أصلها؛ فكلاهما يعتمد المشابهة بين شيئين، ثم يحذف أحد الطرفين. ومن هنا ترتبط أركان الاستعارة بالمشبه الذي يسمى المستعار له، والمشبه به الذي يسمى المستعار منه، إلى جانب اللفظ المستعار والقرينة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي.

في الاستعارة التصريحية يحذف المشبه، ويصرح بالمشبه به، فينتقل اسمه إلى المشبه على أساس صفة مشتركة بينهما. فإذا قيل: «رأيت أسدًا يقود الجنود»، لم يكن المقصود الحيوان المعروف، وإنما قائد شجاع؛ فالقائد هو المستعار له، والأسد هو المستعار منه، والشجاعة هي الجامع الذي سمح ببناء هذه الصورة.

أما الاستعارة المكنية فتسير في الاتجاه المقابل؛ إذ يذكر المشبه ويحذف المشبه به، ثم يدل عليه بشيء من خصائصه أو لوازمه. ففي قولنا: «ابتسم الصباح»، يظهر الصباح في العبارة، بينما يحذف الإنسان الذي شبه به، ويبقى فعل الابتسام دليلًا عليه. وهكذا لا يصرح بالمشبه به، وإنما يستدل عليه من أثر تركه في التركيب.

وتكشف هذه المقابلة أن التمييز بين النوعين يرتبط بالسؤال عن الطرف الظاهر في الصورة. فإذا كان المذكور هو المشبه به والمحذوف هو المشبه، كانت الاستعارة تصريحية، وإذا كان المذكور هو المشبه والمحذوف هو المشبه به مع وجود لازم يدل عليه، كانت مكنية. وتساعد أركان الاستعارة هنا على تجاوز الحفظ إلى تحليل الصورة من داخلها.

وتختلف طريقة التصوير تبعًا لذلك؛ فالتصريحية تنقل اسمًا أو معنى من المستعار منه إلى المستعار له بصورة مباشرة، بينما تبني المكنية حضور المشبه به في الذهن من غير أن تذكره صراحة. ولهذا تستطيع الاستعارة أن تجعل المعنى الذهني محسوسًا، أو تضفي على الجماد والحالات المجردة صفات الكائن الحي، فتمنح العبارة كثافة وإيحاء يتجاوزان حدود التقرير المباشر.

ويظهر سر جمال البيان في الحذف والإيحاء معًا؛ فالمتلقي لا يتلقى تشبيهًا مكتمل الأطراف، وإنما يعيد بناء العلاقة بين طرفيه، فيدرك المشابهة من السياق والقرينة. وكلما كانت الصلة بين المستعار منه والمستعار له دقيقة وملائمة للمعنى، ازدادت الصورة قوة، وأصبحت أركان الاستعارة وسيلة لفهم الأثر الجمالي إلى جانب وظيفتها في التحليل البلاغي.

الاستعارة التصريحية وطريقة التعرف عليها مع الأمثلة

الاستعارة التصريحية صورة بيانية يحذف فيها المشبه ويذكر المشبه به صراحة، فيستعمل لفظ المشبه به للدلالة على المشبه بسبب علاقة المشابهة بينهما، مع وجود قرينة تمنع حمل اللفظ على معناه الحقيقي. ولذلك فإن أركان الاستعارة التصريحية تبدأ بمستعار له محذوف، ومستعار منه ظاهر، ولفظ مستعار انتقل من معناه الأصلي إلى المعنى المقصود.

يتضح ذلك في قولنا: «خطب الأسد في الجنود». فالأسد الحقيقي لا يخطب، ومن ثم تمنع كلمة «خطب» إرادة المعنى الأصلي، ويتبين أن المراد رجل يتصف بالشجاعة. لقد شبه الرجل بالأسد، ثم حذف الرجل وهو المشبه والمستعار له، وصرح بالأسد وهو المشبه به والمستعار منه، فأصبحت الصورة استعارة تصريحية تقوم على الشجاعة بوصفها الجامع بين الطرفين.

وفي مثال آخر: «أقبل بدر يملأ المجلس بهجة»، يمكن أن يراد بالبدر شخص جميل مشرق الوجه. البدر هنا هو الطرف المصرح به، أما الشخص الذي شبه به فقد حذف من العبارة. وعند رد الصورة إلى أصلها يتضح معناها في تشبيه الشخص بالبدر في الجمال والإشراق، ثم حذف المشبه والإبقاء على المشبه به، وهو البناء المميز لهذا النوع.

ولا يكفي ظهور لفظ مثل الأسد أو البحر أو البدر للحكم بوجود استعارة؛ لأن اللفظ قد يكون مستعملًا في معناه الحقيقي. لذلك تؤدي القرينة وظيفة أساسية في تحليل أركان الاستعارة. ففي قولنا: «رأيت بحرًا يفيض علمًا»، تكشف عبارة «يفيض علمًا» أن البحر ليس ماءً حقيقيًا، وإنما عالم واسع المعرفة شبه بالبحر في السعة والغزارة.

ويتطلب التعرف الدقيق على الصورة إعادة بناء التشبيه الكامن وراءها. فعند قراءة «أنار العالم عقول تلاميذه» يمكن النظر إلى الإنارة بوصفها انتقالًا من المجال الحسي إلى مجال المعرفة، وتحديد المعنى المقصود من السياق قبل إصدار الحكم البلاغي. هذه العودة إلى الأصل تكشف المستعار منه والمستعار له والجامع والقرينة، وتمنع الاعتماد على شكل كلمة منفردة.

وبذلك تصبح أركان الاستعارة وسيلة عملية لفهم التصريحية: يبحث القارئ عن لفظ لا يراد به معناه الأصلي، ثم يحدد ما يدل عليه حقيقة، ويستخرج العلاقة القائمة على المشابهة. فإذا ظهر أن المشبه محذوف وأن المشبه به هو المصرح به في العبارة، استقر التحليل على الاستعارة التصريحية، واتضح معها الأثر الناتج عن نقل صفات المستعار منه إلى المستعار له.

الاستعارة المكنية وطريقة اكتشافها مع الأمثلة

الاستعارة المكنية تقوم على ذكر المشبه وحذف المشبه به، مع الإشارة إلى الطرف المحذوف بصفة أو لازم من لوازمه. ولهذا تختلف أركان الاستعارة فيها عن صورتها الظاهرة في التصريحية؛ فالمستعار له يكون حاضرًا في العبارة، أما المستعار منه فيبقى مستترًا وراء علامة لغوية تدفع الذهن إلى تخيله واستعادته.

من أمثلتها قول الشاعر: «وإذا المنية أنشبت أظفارها»، إذ تظهر المنية في العبارة، لكنها تسند إليها الأظفار التي ليست من صفاتها الحقيقية. تقوم الصورة على تشبيه المنية بوحش مفترس، ثم حذف الوحش وهو المشبه به، والإشارة إليه بشيء من لوازمه وهو الأظفار. لذلك تعد الصورة مكنية، ويكتسب الموت من خلالها هيئة قوة مفترسة يصعب الإفلات منها.

ويظهر البناء نفسه في قولنا: «ابتسمت لنا الأيام». فالأيام لا تبتسم في الحقيقة، وإنما شبهت بإنسان تظهر عليه علامات السرور والرضا، ثم حذف الإنسان وبقي فعل الابتسام دالًا عليه. المستعار له هنا هو الأيام، والمستعار منه المحذوف هو الإنسان، أما الابتسام فهو العلامة التي تكشف المشبه به الغائب وتوجه الذهن إليه.

ومن الصور القريبة قولنا: «مد الليل ستاره على المدينة». فالليل مذكور، لكنه صور بإنسان أو كائن قادر على مد ستار، ثم حذف المشبه به وأبقي شيء من لوازمه. تكمن قيمة الصورة في أنها تحول انتشار الظلام من معنى مجرد إلى مشهد بصري يمكن تخيله، فيبدو الليل كأنه يغطي المكان بستر واسع.

ويبدأ اكتشاف المكنية عادة بملاحظة إسناد فعل أو صفة أو عضو إلى شيء لا يناسبه ذلك على الحقيقة. فإذا قيل: «صرخ الصمت»، ظهر التعارض بين طبيعة الصمت وفعل الصراخ، فيدفع هذا التعارض إلى البحث عن صورة كامنة. عندئذ يتبين أن الصمت عومل معاملة إنسان يصرخ، مع حذف الإنسان والإبقاء على فعل من أفعاله.

ولا يكون كل إسناد غير مألوف استعارة مكنية تلقائيًا، بل ينبغي التحقق من وجود علاقة المشابهة ومن إمكان استعادة مشبه به محذوف يدل عليه لازم ظاهر. ويمنح تحليل أركان الاستعارة أساسًا أكثر دقة للحكم؛ لأن تحديد المستعار له والمستعار منه والقرينة يكشف منطق الصورة، بدل الاكتفاء بملاحظة غرابة التعبير أو مجازه.

تحديد نوع الاستعارة من خلال عناصر الصورة البيانية

يتأسس تحديد نوع الاستعارة على تحليل عناصر الصورة البيانية قبل الالتفات إلى جمال التعبير أو قوة ألفاظه. وأهم أركان الاستعارة في هذا التحليل المستعار له، وهو المشبه في الأصل، والمستعار منه، وهو المشبه به، واللفظ المستعار، والجامع الذي يفسر انتقال المعنى، والقرينة التي تمنع فهم اللفظ على حقيقته.

عند مواجهة صورة مثل «رأيت أسدًا يدافع عن وطنه»، يكشف السياق أن الأسد ليس الحيوان المعروف؛ لأن المقصود إنسان شجاع. المشبه أو المستعار له محذوف، بينما المشبه به أو المستعار منه مذكور في لفظ «أسد». هذا الحضور الصريح للمشبه به هو العلامة الحاسمة التي تجعل الصورة استعارة تصريحية.

أما قولنا: «زأر المقاتل في وجه عدوه»، فيبقي المقاتل ظاهرًا، لكنه يمنحه فعلًا يرتبط في هذا السياق بصورة الأسد. يمكن رد الصورة إلى تشبيه المقاتل بالأسد في القوة والشجاعة، ثم حذف الأسد والإشارة إليه بالزئير. هنا يكون المستعار له مذكورًا والمستعار منه محذوفًا، فتتجه الصورة إلى الاستعارة المكنية.

وتتضح أهمية القرينة عند احتمال المعنى الحقيقي؛ ففي «رأيت أسدًا في الغابة» لا توجد ضرورة لحمل الأسد على الإنسان الشجاع، لأن السياق يسمح بالمعنى الحقيقي. أما «رأيت أسدًا يحمل سيفه ويتقدم الصفوف» فتظهر قرائن تصرف الذهن عن الحيوان إلى الإنسان. ومن ثم لا تكتمل قراءة أركان الاستعارة بمجرد العثور على لفظ مشهور في الأمثلة البلاغية.

ويفيد استخراج أصل التشبيه في الحالات التي تبدو أكثر تعقيدًا. فالصورة الاستعارية تخفي طرفًا من طرفي التشبيه، وإعادته ذهنيًا تكشف البناء: ما الشيء المراد وصفه؟ وبماذا شبه؟ وما الصفة التي تجمع بينهما؟ وأي الطرفين بقي في العبارة؟ الإجابة عن هذه المعاني توضح النوع من غير اعتماد على الحفظ المجرد.

ويكتمل التحليل البلاغي حين يرتبط تحديد النوع بوظيفة الصورة؛ فالاستعارة لا تحذف أحد الطرفين عبثًا، وإنما تكثف التشبيه حتى يبدو المشبه كأنه اكتسب هوية المشبه به أو بعض خصائصه. ومن خلال أركان الاستعارة يتبين كيف ينتقل التعبير من تقرير الصفة إلى تجسيدها، فتغدو الشجاعة أسدًا، والمنية وحشًا، والأيام كائنًا يبتسم، وهنا يتجلى سر جمال البيان في الإيحاء والتشخيص وقوة التصوير.

 

أنواع الاستعارة بحسب اللفظ والتركيب وطبيعة الاستخدام

تتعدد أنواع الاستعارة في علم البيان تبعًا للزاوية التي ينظر منها البلاغيون إلى الصورة؛ فقد يكون التقسيم قائمًا على طبيعة اللفظ المستعار، أو على كونه مفردًا أو تركيبًا، أو على العناصر التي تلائم المستعار منه والمستعار له. ويكشف هذا التنوع أن أركان الاستعارة لا تعمل منفصلة، بل تتفاعل لتحديد طبيعة الصورة وقيمتها الدلالية.

فعند النظر إلى اللفظ الذي تجري فيه الاستعارة، يظهر التقسيم إلى أصلية وتبعية؛ فالأولى ترتبط في اصطلاح البلاغيين بالاسم الجامد غير المشتق، في حين تقع الثانية في المشتقات والأفعال، وتدخل الحروف كذلك في مباحثها عند طائفة من علماء البيان. وهذا الاعتبار يهتم بالبنية اللغوية التي حملت الانتقال من الحقيقة إلى المجاز.

أما من جهة الإفراد والتركيب، فتنقسم الصورة إلى استعارة مفردة يكون المستعار فيها لفظًا واحدًا، واستعارة مركبة تقوم على هيئة كاملة منتزعة من عدة عناصر. ومن هذا الباب تأتي الاستعارة التمثيلية، إذ لا تكون المشابهة فيها بين مفردين فحسب، وإنما بين صورتين أو حالتين تتقابلان في هيئة مشتركة.

وتتسع أركان الاستعارة أيضًا لتفسير تقسيمات أخرى متصلة بما يذكر مع الصورة من ألفاظ ملائمة. فإذا اقترنت الاستعارة بما يلائم المستعار منه سميت مرشحة، وإذا اقترنت بما يلائم المستعار له سميت مجردة، أما المطلقة فتخلو من ملائمات الطرفين أو تشتمل على ما يلائمهما معًا وفق الضوابط التي قررها البلاغيون.

ولا تعني هذه التقسيمات وجود صور متباعدة لا رابط بينها؛ فالاستعارة الواحدة يمكن النظر إليها من أكثر من اعتبار. فقد توصف بأنها تصريحية من جهة ظهور المستعار منه، وأصلية من جهة نوع اللفظ، ومرشحة من جهة ما يصاحبها من ملائمات. وهكذا تساعد أركان الاستعارة على تحليل مستويات متعددة داخل التعبير البياني نفسه.

وتنبع أهمية هذه التقسيمات من قدرتها على تفسير كيفية تشكل المعنى المجازي، لا من مجرد وضع أسماء اصطلاحية للصور. فالمستعار منه يمنح الصورة خصائصها الإيحائية، والمستعار له هو المعنى الذي تنتقل إليه تلك الخصائص، أما اللفظ المستعار والقرينة وعلاقة المشابهة فتجعل الانتقال مفهومًا وتمنع حمل الكلام على ظاهره الحقيقي.

الاستعارة الأصلية والاستعارة التبعية

الاستعارة الأصلية هي التي يكون اللفظ المستعار فيها اسمًا جامدًا غير مشتق، ولذلك توصف بالأصلية لأن الاستعارة تجري في لفظها ابتداءً من غير أن يكون استعماله المجازي تابعًا لاشتقاق لفظ آخر. ومن أمثلتها إطلاق لفظ الأسد على الرجل الشجاع، حيث ينتقل اسم الحيوان إلى الإنسان اعتمادًا على المشابهة في الشجاعة.

ويظهر عمل أركان الاستعارة هنا بوضوح؛ فالرجل الشجاع هو المستعار له، والأسد هو المستعار منه، والشجاعة هي الجامع الذي أقيمت عليه المشابهة، بينما تمنع القرينة من إرادة الأسد الحقيقي. ولا يكون جمال الصورة في حذف أداة التشبيه وحده، بل في جعل صفة الشجاعة تبدو كأنها متحققة في الإنسان على نحو يقارب تحققها في الأصل الذي استمدت منه الصورة.

أما الاستعارة التبعية فتقع حين يكون اللفظ الذي جرت فيه الاستعارة فعلًا أو اسمًا مشتقًا، وسميت تبعية لأن إجراءها في المشتق يتبع إجراءها في أصله أو مصدره بحسب التحليل البلاغي التقليدي. فإذا نسب إلى معنى مجرد فعل من خصائص الكائن الحي، انتقل التصوير من مجرد وصف الصفة إلى تمثيلها في حركة أو فعل محسوس.

وتمنح الأفعال والمشتقات هذا النوع قدرة خاصة على تصوير الحركة والتحول والاستمرار؛ فالاسم الجامد يستطيع أن ينقل صفة أو هيئة قوية، بينما يضيف الفعل إلى الصورة معنى الحدوث والزمن والحركة. ومن ثم لا يقتصر الفرق بين الأصلية والتبعية على شكل الكلمة، وإنما يمتد أثره إلى الطريقة التي يتخيل بها المتلقي المشهد.

ويمنع هذا التمييز الخلط بين مستويات تصنيف أركان الاستعارة؛ فكون الصورة أصلية أو تبعية يتعلق بطبيعة اللفظ الذي جرت فيه، ولا يطابق بالضرورة تقسيمها إلى تصريحية ومكنية، لأن لكل تقسيم أساسًا مختلفًا. ولهذا يمكن للصورة الواحدة أن تحمل أكثر من وصف بلاغي متى اختلف الاعتبار الذي بني عليه كل وصف.

وتتجلى القيمة البيانية لهذا التقسيم في الكشف عن مقدار ما تؤديه الصيغة اللغوية نفسها من وظيفة تصويرية. فالاستعارة ليست معنى مجازيًا منفصلًا عن النحو والصرف، بل يتشكل أثرها من اختيار الاسم أو الفعل أو المشتق، ومن علاقة هذا الاختيار بالسياق، وبذلك تصبح بنية الكلمة جزءًا من صناعة الصورة لا مجرد وعاء لها.

الاستعارة التمثيلية وبناء الصورة المركبة

تختلف الاستعارة التمثيلية عن الاستعارة التي تجري في لفظ مفرد؛ لأنها تقوم على تركيب كامل يستعمل في غير معناه الأصلي لعلاقة المشابهة مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. فالمستعار هنا ليس كلمة منفردة، وإنما صورة متكاملة أو هيئة منتزعة من مجموعة عناصر، ثم تنقل هذه الهيئة إلى موقف آخر يشبهها.

ولهذا تتغير طريقة تحليل أركان الاستعارة في الصورة التمثيلية؛ إذ لا يبحث البلاغي عن مفرد يقابل مفردًا بقدر ما يبحث عن حالة تقابل حالة. فالمستعار منه يمثل مشهدًا أو وضعًا متكاملًا، والمستعار له يمثل موقفًا آخر، أما وجه المشابهة فينشأ من الهيئة المشتركة التي تجمع الموقفين وتسمح بنقل أحدهما إلى الآخر.

ومن أشهر البيئات التي تظهر فيها الاستعارة التمثيلية الأمثال؛ لأن المثل قد ينشأ من واقعة أو صورة مخصوصة ثم ينتقل إلى كل موقف يشابهها في بنيته العامة. وعندئذ لا يكون المقصود استحضار الواقعة الأولى لذاتها، وإنما استثمار ما تحمله من علاقة بين الأفعال والنتائج لتفسير حالة جديدة بصورة موجزة وقوية.

وتقوم قوة هذا النوع على أن المتلقي لا يستقبل معنى مجردًا، بل يعيد بناء مشهد ذهني متكامل. فإذا كانت الاستعارة المفردة قد تمنح شيئًا صفة شيء آخر، فإن التمثيلية تنقل شبكة من العلاقات؛ كالتفريط ثم الندم، أو الإقدام في موضع الخطر، أو محاولة معالجة الأمر بعد فوات أوانه. لذلك تتسع قدرتها على الإيحاء والاختزال.

ولا يعني تركيب الصورة أنها غامضة بالضرورة، بل قد تكون أشد وضوحًا من العبارة المباشرة عندما تكون الهيئة المستعار منها مألوفة في الثقافة اللغوية. فالمشهد المحسوس يستطيع أن يختصر شرحًا طويلًا لحالة معنوية، ويجعل العلاقة بين السبب والنتيجة أو بين الفعل ومآله حاضرة أمام الذهن في صورة واحدة.

وتكشف أركان الاستعارة في هذا المستوى عن سر مهم من أسرار البيان، وهو الانتقال من تشبيه الأشياء إلى تشبيه العلاقات والهيئات. فكلما اتسعت الصورة من المفرد إلى المركب، أصبحت قادرة على تمثيل خبرة إنسانية أكثر تعقيدًا، ولهذا اكتسبت الاستعارة التمثيلية مكانة بارزة في الأمثال والخطابة والأدب والحكم.

الفروق الدلالية والبلاغية بين أقسام الاستعارة

لا تقتصر الفروق بين أقسام الاستعارة على المصطلحات التي وضعها علماء البيان، وإنما تتصل بنوع الدلالة التي تنتجها كل صورة وبالطريقة التي يتفاعل بها المتلقي معها. فالاستعارة المفردة تركز غالبًا على نقل خاصية بارزة من المستعار منه إلى المستعار له، بينما تستطيع الاستعارة المركبة أن تنقل هيئة كاملة وعلاقات متعددة في وقت واحد.

وتظهر الفروق كذلك في درجة حضور طرفي الصورة. ففي الاستعارة التصريحية يبرز لفظ المستعار منه، فيتلقى القارئ الصورة من خلال حضوره المباشر، أما المكنية فتحذف ذلك الطرف وتبقي شيئًا من لوازمه يدل عليه. ومن ثم يختلف مسار التخيل؛ فالتصريح يقدم العنصر التصويري ظاهرًا، بينما يدفع الحذف الذهن إلى استنتاجه من القرينة.

وعند تقسيم أركان الاستعارة بحسب طبيعة اللفظ، يظهر فرق آخر بين الأصلية والتبعية. فالأصلية تستند إلى اسم جامد، ولذلك يكون ثقل الصورة متعلقًا بالذات أو المعنى الذي يحمله الاسم، في حين تستفيد التبعية من طاقة الأفعال والمشتقات في تصوير الحركة والحدوث والاتصاف. ولا يعني ذلك تفاضلًا ثابتًا بينهما، فبلاغة كل صورة مرتبطة بالسياق.

أما الاستعارة التمثيلية فتتميز باتساع المجال الدلالي؛ لأنها لا تنقل وصفًا واحدًا وإنما تستدعي موقفًا كاملًا ليضيء موقفًا آخر. ولهذا تلائم المعاني التي يصعب اختزالها في صفة منفردة، وتزداد قوتها حين يكون المطلوب تصوير علاقة مركبة بين مقدمات ونتائج أو بين سلوك وعاقبته.

وتؤثر الملائمات المصاحبة للصورة بدورها في اتجاه التخييل؛ فذكر ما يناسب المستعار منه يمكن أن يقوي حضوره في الذهن ويعمق المشهد المجازي، بينما يعيد ذكر ما يلائم المستعار له بعض الانتباه إلى الطرف المقصود في الواقع. وبذلك لا تصبح الألفاظ المحيطة بالاستعارة زوائد، وإنما تشارك في ضبط قوة الصورة واتجاهها.

وفي النهاية تتحدد القيمة الجمالية لأقسام الاستعارة بمدى انسجام أركان الاستعارة مع المعنى والسياق. فليست البلاغة في كثرة المجاز أو تعقيده، وإنما في قدرة الصورة على تقريب المعنى وتجسيده وإضافة دلالة لا تؤديها العبارة الحقيقية بالكفاءة نفسها. ومن هنا يصبح التصنيف أداة لفهم سر البيان، لا غاية اصطلاحية منفصلة عن أثر الكلام.

 

كيفية استخراج أركان الاستعارة وتحليلها بلاغيًا

يبدأ التحليل البلاغي الدقيق بفهم أن الاستعارة صورة تقوم على المشابهة، ولكنها تختلف عن التشبيه في حذف أحد طرفيه الأساسيين. وتتمثل أركان الاستعارة في المستعار له، وهو المشبه، والمستعار منه، وهو المشبه به الذي أُخذ منه المعنى، والمستعار، وهو اللفظ المنقول، والجامع الذي يمثل وجه الشبه بين الطرفين. وتؤدي القرينة دورًا حاسمًا في توجيه المعنى؛ لأنها تمنع حمل اللفظ على حقيقته، وتكشف أن المقصود معنى مجازي نشأ من علاقة المشابهة. ولهذا لا يكتمل التحليل بمجرد تسمية نوع الصورة، بل يحتاج إلى إعادة بنائها ذهنيًا في صورة تشبيه يكشف طرفيها وأساس العلاقة بينهما.

 

كيفية استخراج أركان الاستعارة وتحليلها بلاغيًا

وعند تحليل قول مثل «رأيت أسدًا يخطب في الجنود»، يظهر أن الأسد لا يراد به الحيوان المفترس؛ لأن فعل الخطابة يصرف الذهن عن هذا المعنى. ويمكن عندئذ إعادة الصورة إلى أصلها، فيكون الإنسان الشجاع مشبهًا، والأسد مشبهًا به، والشجاعة جامعًا بينهما. وبمصطلحات أركان الاستعارة يصبح الإنسان الشجاع هو المستعار له، والأسد هو المستعار منه، ولفظ الأسد هو المستعار. وقد حُذف المشبه وظهر المشبه به صراحة، ولذلك تقوم الصورة على نقل لفظ ذي دلالة محسوسة قوية إلى إنسان يشاركه في صفة الشجاعة والإقدام، فتزداد الدلالة قوة وإيحاءً.

ولا يقف التحليل البلاغي عند تفكيك أركان الاستعارة، وإنما يمتد إلى معرفة القيمة التي أضافتها الصورة إلى المعنى. فقولنا عن الشجاع إنه «أسد» لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها وصفه بالشجاعة مباشرة؛ إذ تنقل الاستعارة إلى الذهن مجموعة من الصفات المرتبطة بالأسد، مثل القوة والجرأة والهيبة. ومن هنا يظهر سر جمال البيان فيها، لأنها تحول المعنى المجرد أو الوصف المباشر إلى صورة أكثر حضورًا وتأثيرًا، وقد تحقق التشخيص عندما تمنح غير الإنسان صفات الإنسان، أو التجسيم عندما تقدم المعاني المجردة في هيئة محسوسة يمكن تصورها.

خطوات تحديد المشبه والمشبه به في التعبير الاستعاري

تحديد المشبه والمشبه به هو المفتاح الذي يفتح بقية أركان الاستعارة؛ لأن المصطلحين يتحولان في باب الاستعارة إلى المستعار له والمستعار منه. والمشبه هو الشيء المراد وصفه أو تصويره، ولذلك يسمى المستعار له، أما المشبه به فهو الأصل الذي أُخذت منه الصورة أو الصفة، ولذلك يسمى المستعار منه. ويمكن اكتشافهما بإرجاع التعبير المجازي إلى تشبيه كامل في الذهن. فإذا قيل «ابتسم الصباح»، أمكن تصور أصل الصورة على نحو يجعل الصباح مشبهًا بإنسان يبتسم؛ فيكون الصباح مشبهًا، والإنسان مشبهًا به، والبهجة والإشراق أساسًا للمشابهة بين الطرفين.

وتزداد أهمية هذه الطريقة عندما يكون أحد الطرفين محذوفًا؛ فالاستعارة التصريحية تقوم على حذف المشبه والتصريح بالمشبه به، بينما تقوم الاستعارة المكنية على ذكر المشبه وحذف المشبه به مع الإشارة إليه بشيء من لوازمه. ففي قول الشاعر عن الفرسان إنهم «أسود» يظهر المشبه به، وهو الأسود، بينما يفهم المشبه المحذوف من السياق، وهو الفرسان الشجعان. أما في تعبير مثل «زأر الجندي في وجه عدوه»، فالجندي مذكور، في حين يُستحضر الأسد ذهنيًا من فعل الزئير الذي يعد من خصائصه، فتنعكس طريقة التحليل مع بقاء علاقة المشابهة أساسًا للصورة.

وتجنب هذه المقارنة خطأ شائعًا يتمثل في تحديد الطرفين من الألفاظ الظاهرة وحدها؛ إذ قد يكون أهم عناصر الصورة محذوفًا، ولا يمكن الوصول إليه إلا من السياق والقرينة. لذلك ينبغي فهم المعنى المقصود أولًا، ثم البحث عن الأصل الذي استمدت منه الصورة. وعندما تتضح العلاقة يصبح ترتيب أركان الاستعارة أكثر دقة: ما يراد تصويره هو المستعار له، وما أُخذت منه الصورة هو المستعار منه، والصفة المشتركة بينهما هي الجامع. وبهذه القراءة يتحول التحليل من حفظ أسماء المصطلحات إلى فهم البناء الداخلي للصورة والسبب الذي جعل المتكلم يختار مشبهًا به بعينه دون غيره.

استخراج القرينة وتعيين المستعار منه والمستعار له

القرينة هي العلامة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي وتدفع إلى فهم اللفظ أو التركيب على أساس مجازي، ولهذا تمثل عنصرًا كاشفًا عند استخراج أركان الاستعارة. وقد تكون القرينة لفظية تظهر في كلمة أو تركيب داخل العبارة، وقد يفهم المنع من المقام والسياق المحيط بالكلام. ففي التعبير «رأيت بحرًا يمنح المحتاجين»، لا يستقيم حمل البحر على معناه الحقيقي؛ لأن منح المحتاجين فعل يرتبط بالإنسان، فتقود هذه الدلالة إلى فهم أن البحر استعمل لتصوير رجل واسع الكرم والعطاء، وأن المقصود ليس البحر الحقيقي.

وبعد اكتشاف القرينة يسهل تعيين المستعار منه والمستعار له إذا أعيدت الصورة إلى أصلها التشبيهي. فالرجل الكريم في المثال السابق هو المشبه، ومن ثم فهو المستعار له، بينما البحر هو المشبه به، ومن ثم فهو المستعار منه، ويقوم الجامع على معنى السعة والغزارة. وإذا كانت الاستعارة مكنية انعكس موضع الظهور والحذف؛ فقد يظهر المستعار له صراحة ويختفي المستعار منه، ويبقى من خصائصه ما يدل عليه. ففي قولنا «مد الليل جناحيه»، يكون الليل هو المستعار له، بينما يتجه الذهن إلى طائر متخيل يمثل المستعار منه المحذوف، ويكشف لفظ الجناحين عن هذا الأصل المستتر.

ولا يصح التعامل مع القرينة بوصفها كلمة تحفظ بصورة آلية؛ لأن قيمتها نابعة من علاقتها بالمعنى الحقيقي للعبارة. والسؤال الحاسم هو: ما الذي يمنع من فهم الكلام على الحقيقة؟ فإذا أمكن تحديد هذا المانع، انكشف الطريق إلى الطرف المحذوف. وتزداد الدقة عندما يميز القارئ بين القرينة والجامع؛ فالقرينة تمنع المعنى الحقيقي وتدل على وجود المجاز، أما الجامع فهو الصفة المشتركة التي سوغت تشبيه المستعار له بالمستعار منه. وبهذا التمييز تستقر أركان الاستعارة في مواضعها الصحيحة، فلا تختلط العلامة الكاشفة للصورة بالصفة التي قامت عليها علاقة المشابهة.

طريقة الوصول إلى نوع الاستعارة وغرضها البلاغي

يتحدد نوع الاستعارة بالنظر إلى الطرف المذكور والطرف المحذوف بعد استعادة أصل التشبيه. فإذا كان المستعار منه، أي المشبه به، ظاهرًا في العبارة بينما حذف المستعار له، أي المشبه، كانت الاستعارة تصريحية. وإذا ظهر المستعار له وحذف المستعار منه مع بقاء شيء من لوازمه يدل عليه، كانت الاستعارة مكنية. وبذلك يصبح تحديد النوع نتيجة للتحليل وليس حكمًا سابقًا عليه؛ فمعرفة أركان الاستعارة أولًا تمنع الخلط بين النوعين، ولا سيما في التعبيرات التي تتداخل فيها الدلالة الحقيقية مع المجازية أو يحتاج الطرف المحذوف فيها إلى استنباط من السياق.

أما الغرض البلاغي فلا يستخرج من اسم النوع وحده، بل من الأثر الذي أحدثته الصورة في المعنى. فقد تستخدم الاستعارة لتجسيم معنى مجرد حتى يبدو محسوسًا، أو لتشخيص شيء غير عاقل بمنحه فعلًا أو صفة بشرية، أو للمبالغة في إبراز صفة معينة. وعندما يقال مثلًا «ابتسم الأمل»، تتحول فكرة الأمل المجردة إلى صورة حية تحمل ملامح إنسانية، فيصبح أثرها النفسي أوضح. وعندما يوصف الشجاع بالأسد، لا تكتفي الصورة بإثبات الشجاعة، وإنما تقويها بما يستحضره الأسد من معاني الجرأة والقوة والهيبة، وهو ما يمنح التعبير كثافة لا يحققها الوصف المباشر بالدرجة نفسها.

وتتضح القيمة الفنية الكاملة عندما يرتبط الغرض بالسياق لا بعبارة محفوظة تصلح لكل مثال؛ فالتشخيص ليس غرضًا مناسبًا لكل استعارة، وكذلك التجسيم والمبالغة والإيضاح. المطلوب هو ملاحظة التحول الذي أحدثته الصورة بين المعنى قبل الاستعارة وبعدها، ثم وصف هذا التحول بدقة. وبهذه القراءة تصبح أركان الاستعارة وسيلة لفهم سر جمال البيان لا مجرد مصطلحات مدرسية؛ إذ يكشف المستعار منه مصدر الصورة، ويحدد المستعار له مجال تطبيقها، وتوضح القرينة سبب العدول عن الحقيقة، بينما يكشف الجامع الصفة التي ربطت الطرفين وجعلت انتقال الدلالة ممكنًا ومؤثرًا.

 

سر جمال الاستعارة وأثرها في قوة المعنى والتصوير

ينبع سر جمال الاستعارة من قدرتها على نقل المعنى من صورته الذهنية المجردة إلى صورة أكثر حضورًا في الخيال، فهي لا تكتفي بالإخبار عن الفكرة، بل تمنحها هيئة يستطيع المتلقي أن يتصورها ويشعر بأثرها. وتتضح أركان الاستعارة من خلال العلاقة بين المستعار منه والمستعار له واللفظ المستعار والجامع بين الطرفين، إذ يقوم التعبير على مشابهة تسمح بانتقال اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى جديد. وبهذا الانتقال تتحول اللغة من مجرد وسيلة للتقرير إلى أداة للتصوير، فيصبح المعنى أقرب إلى الحس وأشد رسوخًا في الذهن.

وتتجلى قوة أركان الاستعارة حين تكون الصلة بين المستعار منه والمستعار له دقيقة ومناسبة للسياق؛ لأن جمال الصورة لا ينتج من استبدال لفظ بآخر فحسب، وإنما من اكتشاف علاقة قادرة على إظهار جانب خفي من المعنى. فعندما يوصف العلم بالنور مثلًا، لا يراد إثبات حقيقة حسية، وإنما تنتقل خصائص النور من كشف الأشياء وإزالة الظلمة إلى العلم الذي يكشف الجهل ويهدي العقل. وهنا تختصر الصورة مجموعة من الدلالات في تركيب موجز، فيدرك المتلقي المعنى الأساسي وما يحيط به من إيحاءات في وقت واحد.

ولا تنفصل القيمة الجمالية للاستعارة عن السياق الذي ترد فيه، فالقرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي وتوجه الذهن نحو الدلالة المجازية، بينما يحدد المقام مقدار ما تحمله الصورة من قوة وإيحاء. لذلك لا يكون الحكم على جمال الاستعارة بمجرد تسميتها أو تحديد نوعها، بل بالنظر إلى مدى ملاءمة الصورة للمعنى وقدرتها على إثرائه. وكلما كان الانتقال بين الطرفين واضح الصلة، بعيدًا عن التكلف والغموض، ازدادت الصورة قوة، وأصبح التعبير أكثر كثافة وقدرة على إثارة الخيال وتثبيت الفكرة في الذاكرة.

القيمة البلاغية للاستعارة في تجسيد المعاني

تظهر القيمة البلاغية للاستعارة بوضوح عندما تحول المعاني العقلية والمجردة إلى صور محسوسة يمكن للخيال أن يتعامل معها. فالحزن والأمل والخوف والجهل والهداية معان لا تدرك بالحواس في أصلها، لكن التعبير الاستعاري يستطيع أن يمنحها لونًا أو حركة أو شكلًا أو أثرًا محسوسًا. وحين يوصف الجهل بالظلام أو الأمل بالنور، ينتقل المتلقي من مفهوم مجرد إلى مشهد تتضح فيه طبيعة المعنى ودرجته وأثره. وبذلك لا تقدم الاستعارة تفسيرًا ذهنيًا فحسب، وإنما تبني صورة تساعد على الفهم والتذكر والتأثر.

ويتحقق التجسيد عندما يعامل المعنى المعنوي كما لو كان شيئًا ماديًا له خصائص الأجسام والأشياء المحسوسة. فقد يصور الحزن عبئًا يثقل الإنسان، أو تصور الشدائد قيودًا تحاصره، أو يعبر عن انكشاف الحقيقة بإزالة ستار عنها. هذه الصور تمنح المعنى حدودًا يستطيع الذهن تخيلها، وتختصر شرحًا طويلًا كان يمكن أن يحتاج إلى عدد كبير من العبارات المباشرة. كما تسمح بتصوير درجات المعنى؛ فالثقل مثلًا يوحي بشدة المعاناة، والقيود توحي بالعجز، والستار يوحي بوجود حقيقة كانت محجوبة ثم ظهرت.

ولا يعني التجسيد مجرد زخرفة العبارة، لأن الصورة الناجحة تضيف إلى المعنى عنصرًا لا يؤديه التعبير المباشر بالدرجة نفسها. فالقول المباشر يحدد الفكرة، بينما الاستعارة قد تحددها وتصورها وتكشف أثرها النفسي في آن واحد. ولهذا تتفاوت الصور الاستعارية في قيمتها بحسب دقة العلاقة بين طرفيها ومدى خدمتها للغرض المقصود. فإذا كان التجسيد مناسبًا للسياق، بدا المعنى أكثر وضوحًا وحيوية، أما إذا كانت العلاقة بعيدة أو متكلفة، فقد تتحول الصورة إلى عبء يحتاج إلى تفسير بدل أن تكون وسيلة للكشف والإيضاح.

أثر الاستعارة في التشخيص والإيحاء والمبالغة

يعد التشخيص من أبرز الآثار الفنية التي تحققها الاستعارة، إذ تخلع صفات الإنسان وحركاته ومشاعره على الجمادات أو المعاني أو مظاهر الطبيعة. فقد يصور الزمن وكأنه يسرق العمر، أو تصور الأيام وكأنها تبتسم لشخص وتعبس في وجه آخر، أو يوصف الصباح بأنه يوقظ المدينة. لا يراد من هذه التعبيرات إثبات الفعل الإنساني حقيقة لتلك الأشياء، وإنما إكسابها حياة وحركة. ومن هنا تنشأ صورة ديناميكية تجعل المتلقي يتفاعل مع المعنى بوصفه مشهدًا نابضًا، لا فكرة ساكنة تقتصر وظيفتها على نقل الخبر.

أما الإيحاء فينشأ من أن اللفظ المستعار يحتفظ بشيء من الظلال المرتبطة بمعناه الأصلي، حتى بعد انتقاله إلى الدلالة الجديدة. فإذا وصف الأمل بأنه شعاع، حضرت مع المعنى دلالات الضوء والانكشاف والبداية والخروج من العتمة، من غير حاجة إلى التصريح بكل واحدة منها. وتتيح هذه الطاقة الإيحائية للتعبير أن يحمل مستويات متعددة من الدلالة في مساحة لغوية محدودة. ولذلك قد تترك الاستعارة مجالًا للمتلقي كي يستكمل الصورة بخياله، فتغدو مشاركته في فهمها جزءًا من أثرها البلاغي والجمالي.

وتؤدي الاستعارة كذلك وظيفة المبالغة عندما تجعل الصفة قوية إلى درجة توحي باتحاد المستعار له بالمستعار منه. فحين يوصف الرجل الشجاع بالأسد، يتجاوز التعبير مجرد القول إنه يشبه الأسد في الشجاعة، ليقدمه في الصورة كأنه الأسد نفسه من حيث الصفة المقصودة. وتزداد المبالغة قوة كلما انسجم هذا الادعاء التصويري مع السياق ولم يتحول إلى تهويل مفتعل. وبهذا تتكامل وظائف التشخيص والإيحاء والمبالغة؛ فالأولى تبعث الحياة في الصورة، والثانية توسع مجال دلالتها، والثالثة تقوي الصفة المراد إبرازها وتمنحها حضورًا أشد في ذهن المتلقي.

جمال التصوير الفني ودوره في التأثير في المتلقي

يقوم جمال التصوير الفني في الاستعارة على تحويل اللغة إلى تجربة تخيلية يرى المتلقي من خلالها المعنى بدل أن يتلقاه في صورة تقرير مجرد. فالصورة تجمع بين الإدراك العقلي والانفعال الوجداني، وتجعل الكلمة قادرة على استحضار مشهد أو حركة أو إحساس. لهذا يكون الفرق واضحًا بين عبارة تخبر عن شدة الخوف وأخرى تجعله شيئًا يطارد الإنسان أو يقبض على قلبه؛ فالمعنى العام قد يكون متقاربًا، لكن الصورة الثانية تمنحه حضورًا محسوسًا، وتدفع المتلقي إلى تخيل الحالة واستشعار قوتها بدل الاكتفاء بمعرفتها.

ويزداد تأثير التصوير حين تكون عناصره منسجمة مع التجربة التي يعبر عنها النص. فالصورة المألوفة جدًا قد تفقد قدرتها على الإدهاش، والصورة البعيدة المتكلفة قد تربك الفهم، أما الصورة الدقيقة فتوازن بين الوضوح والجدة. وهي تمنح المتلقي قدرًا من المشاركة؛ لأنه لا يستقبل المعنى كاملًا في صيغة تفسيرية مباشرة، بل ينتقل من الدلالة الأصلية للفظ إلى الدلالة المقصودة ويكتشف العلاقة بينهما. وهذه الحركة الذهنية تزيد من حضور الصورة في الذاكرة، لأن المعنى يصبح مرتبطًا بمشهد تخييلي يمكن استعادته بسهولة.

ولا يقتصر التأثير في المتلقي على إثارة الانفعال، بل يشمل توجيه طريقة إدراك الفكرة نفسها. فالاستعارة قد تجعل المعنى قويًا أو رقيقًا، قريبًا أو مهيبًا، متحركًا أو ساكنًا بحسب الصورة المختارة له. ومن هنا يصبح التصوير الفني عنصرًا أساسيًا في تشكيل الدلالة، لا إضافة تجميلية يمكن حذفها دون خسارة. وعندما تتآزر دقة الاختيار مع وضوح العلاقة وملاءمة السياق، تحقق الصورة غايتها البلاغية؛ فتجمع بين الإيجاز والوضوح والإيحاء، وتمنح المعنى قدرة أكبر على البقاء في الذهن والتأثير في الوجدان.

 

الاستعارة في القرآن الكريم والشعر العربي وتطبيقاتها البيانية

تحتل الاستعارة منزلة بارزة في البيان العربي؛ لأنها تنقل المعنى من صورته المباشرة إلى صورة محسوسة أو متخيلة تزيده وضوحًا وتأثيرًا. وعند تحليل أركان الاستعارة لا يكفي الوقوف عند اللفظ المنقول، بل ينبغي إدراك العلاقة بين المستعار منه والمستعار له والصفة الجامعة بينهما، ثم ملاحظة القرينة التي تمنع إرادة المعنى الحقيقي.

 

الاستعارة في القرآن الكريم والشعر العربي وتطبيقاتها البيانية

وتتكون الصورة الاستعارية في أصلها من مستعار منه، وهو المجال الذي أُخذت منه الصورة، ومستعار له، وهو المعنى المراد تصويره، ومستعار، وهو اللفظ الذي انتقل من دلالته الأصلية إلى الدلالة المجازية. أما الجامع فهو الصفة التي أتاحت هذا الانتقال، وتأتي القرينة لتدل على أن المقصود ليس المعنى الحقيقي للفظ.

وتظهر أركان الاستعارة بوضوح أكبر عند رد الصورة إلى أصلها التشبيهي. فالاستعارة في جوهرها تقوم على تشبيه حُذف أحد طرفيه، ولهذا كانت الاستعارة التصريحية قائمة على التصريح بالمشبه به وحذف المشبه، بينما تقوم الاستعارة المكنية على حذف المشبه به والإبقاء على شيء من لوازمه يدل عليه. وهذا الحذف يمنح العبارة قوة الإيحاء بدل التصريح المباشر.

في القرآن الكريم تتجاوز الاستعارة وظيفة التزيين اللفظي إلى بناء مشهد يجعل المعنى المعنوي قريبًا من الإدراك الحسي. فالتواضع يمكن أن يتحول إلى جناح مخفوض، والشيخوخة إلى نار تشتعل في الرأس، والضلال إلى شيء يُشترى مقابل الهدى. بذلك تصبح المعاني قابلة للتصور، وتتسع دلالتها بما تحمله الصورة من حركة ولون وإيحاء.

أما الشعر العربي، فقد وجد في الاستعارة وسيلة شديدة المرونة لتجسيد الانفعالات والمعاني المجردة. فالموت قد يصبح كائنًا ذا أظفار، والحرب قد تتخذ صفات المخلوق الذي يشتد ويضطرم، والأمل قد يشرق، والحزن قد يخيم. ومن هنا تتحدد قيمة أركان الاستعارة في فهم الطريقة التي حوّل بها الشاعر المعنى الذهني إلى تجربة يمكن للقارئ أن يراها أو يشعر بحركتها.

وتكشف المقارنة بين الاستعارة القرآنية والشعرية أن جوهر الآلية البلاغية واحد، مع اختلاف السياق والغاية والأسلوب. فالمستعار منه يمد المعنى بخصائص جديدة، والمستعار له يستقبل تلك الخصائص، والقرينة تضبط الانتقال المجازي. أما سر الجمال فينشأ من التفاعل بين هذه العناصر حين تتكون صورة موحية لا يؤدي معناها التعبير المباشر بالقوة نفسها.

نماذج من الاستعارة في القرآن الكريم وتحليل أركانها

من الصور القرآنية البليغة قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة». يقوم التعبير على تصوير الذل والتواضع بصورة طائر يخفض جناحه، وهي صورة تجعل السلوك المعنوي مشهدًا حسيًا. وقد وصف القرطبي هذا التعبير بأنه استعارة في الشفقة والرحمة والتذلل، وربط خفض الجناح بصورة الطائر في عنايته بولده.

وعند تحليل أركان الاستعارة في هذه الصورة يكون المستعار له هو الذل المقرون بالرحمة والتواضع للوالدين، بينما يُفهم المستعار منه من صورة الطائر ذي الجناح الذي يخفضه في لين وعطف. وقد حُذف المشبه به، وأبقي شيء من لوازمه وهو «الجناح»، ولذلك تندرج الصورة في الاستعارة المكنية.

ولا تقتصر بلاغة التعبير على إثبات التواضع، لأن صورة الجناح تضيف إليه معنى الحنو والقرب والرعاية. فالطائر الذي يخفض جناحه لا يقدم معنى الانكسار المجرد، بل يوحي بالاحتواء واللين. وهنا تتجلى وظيفة الصورة في توسيع الدلالة، إذ تجمع في مشهد واحد معاني الرحمة والتواضع والعناية بالوالدين.

ومن الصور القرآنية المشهورة قول زكريا عليه السلام: «واشتعل الرأس شيبًا». فالاشتعال في أصل استعماله يرتبط بالنار، لكنه نُقل إلى انتشار الشيب في الرأس. ويمكن رد الصورة إلى تشبيه الشيب بالنار في سرعة الانتشار والظهور، ثم حُذف المشبه به ورُمز إليه بشيء من خصائصه، وهو الاشتعال.

تكشف أركان الاستعارة هنا عن دقة بناء المشهد؛ فالمستعار له هو الشيب المنتشر، والمستعار منه هو النار المتوقدة، والجامع بينهما الانتشار والظهور والاستيلاء. وبدل القول المباشر إن الشيب كثر، ترسم العبارة صورة يتحرك فيها البياض في الرأس كما يمتد اللهب، فتغدو الشيخوخة مشهدًا محسوسًا يحمل دلالة الزمن والضعف.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في وصف من استبدلوا الضلالة بالهدى: «أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى». فالشراء عملية حقيقية تقوم على المبادلة، لكنها استُعملت لتصوير الاختيار المعنوي. وفي هذا النقل تبدو الضلالة والهدى كأنهما شيئان يدخلان في صفقة، فتبرز فداحة الاختيار بصورة أشد تأثيرًا من مجرد الإخبار بالعدول عن الهدى.

أمثلة من الشعر العربي تكشف جمال الصورة الاستعارية

من أشهر الشواهد قول أبي ذؤيب الهذلي: «وإذا المنية أنشبت أظفارها»، حيث تحولت المنية، وهي معنى مجرد، إلى كائن مفترس يملك أظفارًا وينشبها في فريسته. الصورة لا تقول إن الموت قوي فحسب، وإنما تجعله حاضرًا في هيئة مخيفة، ولذلك يصل الإحساس بحتميته إلى المتلقي عن طريق التخيل قبل التقرير.

وتتضح أركان الاستعارة في البيت حين يكون المستعار له هو المنية، والمستعار منه حيوانًا مفترسًا محذوفًا، بينما جاءت «الأظفار» قرينة تكشف الصورة المحذوفة. ولهذا تعد استعارة مكنية؛ إذ شُبه الموت بمفترس، ثم حُذف المشبه به وأبقي لازم من لوازمه. والجامع هو شدة البطش وعدم سهولة الإفلات.

ويزداد جمال الصورة حين يكتمل البيت بقوله: «ألفيت كل تميمة لا تنفع»، لأن إنشاب الأظفار يصور لحظة التمكن التي يصبح عندها الفرار عسيرًا. ليست الاستعارة هنا زينة منفصلة عن المعنى، وإنما تحمل فكرة البيت الأساسية، وهي أن الموت إذا أدرك الإنسان لم تدفعه عنه وسائل يتوهم فيها النجاة.

وتتكرر هذه القدرة التصويرية في الشعر حين يمنح الشاعر المعاني المجردة أعضاء المخلوقات وأفعالها. فيقال إن الدهر يعض، أو إن الخطوب تمد يدها، أو إن الآمال تبتسم. ويختلف الأثر بحسب المستعار منه؛ فاختيار الأسد مثلًا يستدعي القوة والإقدام، بينما تستدعي النار الحرارة والانتشار، ويستدعي البحر الاتساع أو الغزارة.

لذلك لا يكتمل تحليل أركان الاستعارة بمجرد تسمية المستعار منه والمستعار له. الأهم هو تفسير سبب اختيار الصورة نفسها وما أضافته إلى المعنى. فالشاعر الذي يصور المنية بمفترس لا ينقل صفة واحدة فحسب، بل يستدعي شبكة من الإيحاءات تشمل التربص والهجوم والبطش والتمكن، ومنها تتولد كثافة الصورة وقوتها.

وتختلف الصورة الاستعارية الناجحة عن العبارة المباشرة في أنها تشرك الخيال في إنتاج المعنى. فبدل أن يتلقى القارئ حكمًا جاهزًا، يعيد في ذهنه بناء العلاقة بين الطرفين، ويدرك وجه الشبه والقرينة والأثر النفسي. ومن هذه المشاركة ينشأ جانب مهم من جمال الاستعارة في الشعر العربي وقدرتها على البقاء في الذاكرة.

تطبيقات وتدريبات على تحليل الاستعارة وتحديد أنواعها

يمكن تطبيق أركان الاستعارة على عبارة «ابتسم الصباح» بالنظر أولًا إلى المعنى الحقيقي للفعل. فالابتسام من خصائص الإنسان، بينما الصباح لا يبتسم حقيقة. شُبه الصباح بإنسان مشرق الوجه، ثم حُذف الإنسان وأبقي شيء من لوازمه وهو الابتسام، فتكون الصورة استعارة مكنية، ووجهها الإيحائي إشراق الصباح وجماله.

وفي عبارة «زأر الغضب في صدره» ينتقل فعل الزئير من الحيوان إلى الغضب. المستعار له هو الغضب، والمستعار منه حيوان شديد الصوت، وقد حُذف هذا الحيوان ودل عليه فعله. تكشف الصورة بذلك عن قوة الانفعال واضطرابه الداخلي، وهو معنى أوسع من العبارة المباشرة التي تكتفي بوصف الإنسان بأنه شديد الغضب.

أما قول «رأيت أسدًا يدافع عن وطنه» فإذا دل السياق على أن المراد رجل شجاع، فالمشبه محذوف والمشبه به، وهو الأسد، مذكور صراحة. تكون الاستعارة عندئذ تصريحية، ويصبح الأسد هو اللفظ المستعار للرجل، بينما تمثل الشجاعة والإقدام الجامع الدلالي الذي سمح بانتقال اللفظ من الحيوان إلى الإنسان.

وعند تحليل أركان الاستعارة في عبارة مثل «غرست الأيام الحكمة في نفسه» يظهر بناء مختلف. فالأيام صُورت بفاعل يستطيع الغرس، والحكمة صُورت بشيء قابل لأن يُغرس وينمو. تمنح هذه العلاقات المجازية الخبرة المتراكمة صورة النمو التدريجي، فتوضح كيف تتحول التجارب بمرور الزمن إلى وعي راسخ في النفس.

ويمكن اختبار التمييز بين الحقيقة والاستعارة بمقارنة «اشتعل الحطب» بقول «اشتعل الحماس في النفوس». الاشتعال في الأولى حقيقي، أما في الثانية فقد نُقلت خصائص النار إلى الحماس للدلالة على قوته وانتشاره. ومن ثم لا يكفي وجود كلمة ذات طابع تصويري للحكم بوجود استعارة، بل لا بد من ملاحظة انتقال الدلالة ووجود القرينة المانعة من المعنى الأصلي.

وتساعد هذه التطبيقات على تثبيت منهج واضح في التحليل: فهم المعنى المقصود أولًا، ثم رد الصورة إلى التشبيه الكامن وراءها، وتعيين الطرف المحذوف والطرف المذكور، وتحديد القرينة والجامع، وبعد ذلك بيان نوع الاستعارة وأثرها. وبهذا تصبح أركان الاستعارة أدوات لفهم جمال البيان، لا مجرد مصطلحات تحفظ بمعزل عن الصورة والمعنى.

 

هل يمكن أن تجتمع أكثر من استعارة في تعبير واحد؟

نعم، قد يشتمل التعبير على أكثر من علاقة استعارية، خاصة في الصور المركبة التي تُسند فيها أفعال أو صفات مجازية إلى أكثر من عنصر. ويُحلل كل موضع بحسب معناه وقرينته والعلاقة التي يقوم عليها، مع مراعاة الصورة الكلية التي تجمع أجزاء التعبير.

 

هل يتغير أثر الاستعارة بتغير السياق الذي ترد فيه؟

نعم، فالسياق يحدد الدلالة المقصودة من اللفظ المستعار والصفة المراد إبرازها، ولذلك قد يحمل اللفظ نفسه إيحاءات مختلفة باختلاف موضعه. كما يساعد السياق على اكتشاف القرينة والتمييز بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي.

 

ما أكثر الأخطاء التي ينبغي تجنبها عند تحليل أركان الاستعارة؟

من أبرز الأخطاء الحكم على الاستعارة من لفظ منفرد دون فهم السياق، والخلط بين المستعار منه والمستعار له، أو بين الجامع والقرينة، وكذلك اعتبار كل تعبير مجازي استعارة. والأدق أن يُفهم المعنى أولًا ثم تُستعاد العلاقة التشبيهية الكامنة وراء الصورة قبل تحديد أركانها ونوعها.

 

وفي ختام مقالنا، يمكن القول أن أركان الاستعارة تمنحنا مدخلًا دقيقًا لفهم بناء الصورة البيانية وما تحمله من دلالات تتجاوز المعنى المباشر، إذ يكشف تحديد المستعار منه والمستعار له والمستعار والجامع والقرينة عن الطريقة التي تنتقل بها الدلالة من الحقيقة إلى المجاز. ولا تكتمل دراسة الاستعارة بمجرد معرفة نوعها، بل تمتد إلى إدراك أثرها في التشخيص والتجسيد والإيحاء والمبالغة، وما تضيفه إلى الكلام من قوة في التصوير وكثافة في المعنى. ومن خلال تحليل هذه العناصر يصبح التمييز بين الاستعارة والتشبيه، وبين التصريحية والمكنية وغيرها من الأقسام، أكثر وضوحًا ودقة.

المصادر والمراجع

أركان الاستعارة وأنواعها – جامعة كربلاء

الاستعارة الأصلية وأركانها – وزارة الأوقاف المصرية

الاستعارة التبعية وخصائصها – وزارة الأوقاف المصرية

الاستعارة التمثيلية وبناء الصورة – وزارة الأوقاف المصرية

التصوير بالاستعارة التصريحية والمكنية – مجلة كلية التربية بجامعة واسط

هل تود اقتباس هذا المقال في بحثك؟

✦ مشاركة المقال ✦
⚖️

تنويه مهم بشأن حقوق المحتوى

جميع الحقوق محفوظة لموقع نبض العرب © 2026. يُمنع نسخ هذا المحتوى أو إعادة نشره أو ترجمته أو اقتباس أكثر من 10% منه إلا بإذن خطي مسبق لأي استخدام تجاري أو أكاديمي.

💡 ملاحظة: يُسمح بالاقتباس المحدود مع ذكر المصدر ووضع رابط مباشر للمقال الأصلي.
وائل عصام صيام
⚖️ منهجية التوثيق في نبض العرب
هذا المحتوى هو جزء من سعينا ليكون موقعنا "الأرشيف الحي" للذاكرة العربية. نعتمد في توثيق مادتنا على العودة للمصادر الأولية، حيث تخضع كل مقالة لمراجعة وتدقيق صارم من قبل هيئة تحرير متخصصة تضم نخبة من الأساتذة والباحثين. تتضافر هذه الجهود المشتركة تحت إشراف الأستاذ وائل عصام صيام، لتكون مرجعاً علمياً موثوقاً للباحثين والأجيال القادمة.

خارطة التأثير تفاعل الأشقاء العرب الآن

مباشر الآن
🇪🇬
مصر أكثر قراءة ومشاركة
34%
🇧🇭
البحرين تفاعل مرتفع جداً
26%
🇦🇪
الإمارات أتموا قراءة المقال
18%
🇴🇲
عمان نسخوا رابط المقال
11%
🇩🇿
الجزائر يتصفحون الآن
7%
🇾🇪
اليمن تفاعل نشط
4%

اشترك في نشرتنا الذكية

24/09/2026 |

نحن لا نرسل رسائل عشوائية. عبر اشتراكك الذكي، ستتلقى تنبيهاً فورياً فقط عند نشر مقال جديد في القسم الذي يثير اهتمامك. أنت من يصمم تجربتك الثقافية معنا.

حماية خصوصيتك أولويتنا: بياناتك مشفرة ومؤمنة بالكامل ولن تُشارك مع أي طرف. نضمن لك حرية إلغاء الاشتراك بضغطة زر واحدة وفي أي وقت تشاء.
اختر الأقسام التي تود استلامها
زر الذهاب إلى الأعلى
✏️